30.4 C
بيروت
أغسطس 2, 2021

١٤ شباط بين ١ و ٢٩

بداية ترسيم الحدود البحرية اللبنانية.

كلفت حكومة رفيق الحريري في العام ٢٠٠٢ أبان الإعلان عن وجود نفط وغاز في شرق حوض المتوسط المكتب الهيدروغرافي البريطاني، وهو مكتب معني بترسيم وتحديد الحدود البحرية ويعتبر من الأهم عالمياً. إلا أن ما كلف به هذا المكتب بقي سريا ضمن دائرة رئيس الحكومة ولم يصرح عنه، عدا عن بعض التسريبات أن لا خرائط دقيقة وواضحة يستند عليها المكتب في عملية الترسيم من أجل التوصل إلى نتائج دقيقة.
في العام ٢٠٠٤ قام الإتحاد الأوروبي بتكليف جامعة إشبيلية وهي جامعة إسبانية عريقة ومعروفة بعملية ترسيم الحدود، بترسيم الحدود الخارجية للمياه الإقتصادية الخالصة( EEZ).ونظرا لكون قبرص عضوا في الإتحاد الأوروبي وعلى حدوده الخارجية في شرق المتوسط فأتت حدود(EEZ) للإتحاد الأوروبي من جهة الشرق نفسها لقبرص. على هذا الأساس قامت كل من قبرص ومصر بتوقيع إتفاقية ترسيم الحدود البحرية المشتركة بين البلدين. على أثر ذلك إعترضت تركيا لدى الأمم المتحدة على هذا الترسيم مدعية أن هذا الترسيم غير قانوني وهو يعتدي على حق تركيا في البحر. في المقابل دفعت قبرص بإتجاه لبنان بدعم فرنسي من الرئيس جاك شيراك من أجل الترسيم على أساس خارطة إشبيلية، قابل هذا الطلب ضغط تركي آنذاك نظرا لما كانت تتمتع تركيا من علاقة إستراتيجية مع سوريا التي كانت تمسك بالمشهد السياسي في لبنان آنذاك. ما أدى إلى إسقاط حكومة الرئيس رفيق الحريري وتشكيل حكومة برئاسة الرئيس عمر كرامي من أجل عرقلة عملية الترسيم. منذ ذلك الحين دخل إلى ساحة ترسيم الحدود البحرية اللبنانية مع قبرص دولتين إقليميتين معنية بهذه العملية وهما إسرائيل وتركيا.

_أولا إسرائيل: في العام ١٩٨٣ وُقعت إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار إلا أن كل من إسرائيل وتركيا وسوريا لم يوقوا على هذه الإتفاقية، وكانت إسرائيل قد بدأت بالإهتمام بعملية الترسيم مع دول الجوار ونظراّ للأطماع الدائمة من قبل إسرائيل بدول الجوار وخاصة لبنان فهي إحتفظت ب ٣٨ نقطة داخل لبنان على إمتداد الخط الأزرق بعد إنسحابها في العام ٢٠٠٠ ومنهم نقطة رأس الناقورة B1 نقطة الإنطلاق في عملية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. فعملت بشتى الوسائل المتاحة من خلال علاقتها مع الولايات المتحدة الأميركية وبالتالي الإتحاد الأوروبي إلى إدخال النقطة رقم ١ في خط الترسيم مع قبرص مع العلم أن هذه النقطة ليست ضرورية ولا تعني الترسيم مع قبرص فهي تعني فقط عملية الترسيم بين لبنان وإسرائيل.

_ ثانيا تركيا: نظراً إلى أن قبرص مقسمة إلى قسمين قبرص التركية الشمالية والمعترف بها فقط من تركيا ويوجد فيها ١٥٠٠٠ جندي تركي وشعبها من الأتراك ويتكلم اللغة التركية . وقبرص الجنوبية اليونانية ولغتها اليونانية وعملتها اليورو وهي عضو في الإتحاد الأوروبي ومعترف بها من الأمم المتحدة. لا تعترف تركيا بأي معاهدة تبرم مع قبرص اليونانية لأن ذلك يضر بمصالح قبرص التركية وشعبها وتعتبر أن ثروات الغاز والنفط تخص القبارصة الأتراك. لذلك فهي دأبت على مدى مراحل الترسيم مع قبرص إلى عرقلة هذه المفاوضات والعمل على إجرائها مع قبرص التركية.

هل قام لبنان بعملية الترسيم بمسؤولية وطنية وكما يجب أم عالج الموضوع بإستخفاف وعدم المسؤولية أم في الإستثمار السياسي وتحت الضغط؟
بداية كيف تتم عملية الترسيم؟ حسب إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ترسم الدولة الساحلية خط الأساس الذي يقاس منه المياه الإقليمية وتحدد الدولة عرض مياهها الإقليمية الى ما دون ١٢ ميل بحري كما يفرض تحديد المياه الإقتصادية الخالصة ، والجرف القاري بحسب قانون البحار ويصدر مرسوم موقع من المراجع المعنية حسب كل دولة وتضع نسخة لدى الأمم المتحدة مرفقة مع الخرائط والإحداثيات. ويحق للدول المعنية أي المجاورة أو المقابلة الإعتراض لدى الأمم المتحدة إن كانت ترى غير ذلك.

إلا أن لبنان لم يقم بهذه العملية إلا في أواخر العام ٢٠٠٨ حيث شُكلت لجنة من الوزارات المعنية وقامت بعملية الترسيم مع تبني خط الوسط الذي حددته خريطة إشبيلية وتعديل النقطة ١ إلى النقطة ٢٣ غير المبنية على أي حجة قانونية . وصدر المرسوم رقم ٦٤٣٣ بذلك وأودع لدى الأمم المتحدة في ١/١٠/ ٢٠١١ وأصبح الوثيقة الرسمية الوحيدة للبنان.

تزامن مراحل ترسيم الحدود مع الأحداث السياسية والأمنية المصيرية.

بالعودة إلى إستقالة حكومة الرئيس رفيق الحريري وتشكيل حكومة الرئيس عمر كرامي شهدت تلك المرحلة سلسلة من الأحداث ترافقت مع عملية ترسيم الحدود مع قبرص . في ٢/٩/٢٠٠٤ صدر القرار ١٥٥٩ الذي يدعو إلى إنتخاب رئيس جمهورية للبنان، وإنسحاب سوريا من لبنان ونزع سلاح الميليشيات. في اليوم التالي ٣/٩/٢٠٠٤ إجتمع مجلس النواب لتعديل الدستور والتمديد ٣ سنوات للرئيس إميل لحود.وبعد عشرة أيام في ١٣/٩/٢٠٠٤ صوت مجلس النواب الأميركي على قرار ينتقد ملف حقوق الإنسان في سوريا ويطالبها بمغادرة لبنان والكف عن دعمها لما وصفه بـ”الإرهاب”. وبعد أسبوعين في ١/١٠/٢٠٠٤ محاولة إغتيال مروان حمادة الذي دفع بتاريخ ٢٠/١٠/٢٠٠٤ الى إستقالة الرئيس الحريري وجاءت الإستقالة مقرونة بإعتذاره عن تشكيل حكومة جديدة وتزامنت مع ألإجتياح الأميركي للعراق. في تاريخ ٢٦ /١٠/٢٠٠٤ شُكلت حكومة الرئيس عمر كرامة. شهد نهاية العام ٢٠٠٤ تطور في العلاقات السورية التركية تتوج بزيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى سوريا جاء ردا على زيارة قام بها الرئيس السوري الى مصر التي ساءت علاقتها مع تركيا بعد توقيع إتفاقية ترسيم الحدود مع قبرص اليونانية والتي إعترضت عليها تركيا بشدة واعتبرتها تعدي صارخ على حقوقها. في ١٤/٢/٢٠٠٥ حدث إنفجار ضخم أودى بحياة الرئيس رفيق الحريري تلاه سلسلة من الأحداث وإنطلاق ثورة الأرزالتي نادت بالإنسحاب السوري تطبيقا للقرار ١٥٥٩ الذي سبق الإغتيال ببضعة أشهر لتكون الكلمة الأخيرة للأميركي بإخراج السوري من لبنان.

بالإضافة إلى سلسلة الإغتيالات شهدت مرحلة ما بعد إغتيال الحريري سلسلة من الأحداث الأمنية والإقليمية أكدت على الوحدة الزمنية للمرحلة، أهمها إستقالة حكومة عمر كرامي في ٢٨/٢/٢٠٠٥. وفي نيسان ٢٠٠٥ تم تكليف نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة وكانت مهمتها الأساسية إجراء انتخابات برلمانية.

وعقب الانتخابات، كلف فؤاد السنيورة برئاسة الحكومة في تموز ٢٠٠٥ واستمر بمنصبه ٤ سنوات و ١١٢ يوما، حيث انتهت ولاية الرئيس إميل لحود وتم تعين ميشال سليمان بإنتخابات شكلية رئيسا جديدا للبلاد إثر إتفاق الدوحة. في ١٢/٧/٢٠٠٦ شنت إسرائيل حرب على لبنان دامت ٣٤ يوما تزامنت مع التقرير الذي رفعه المكتب الهيدروغرافي البريطاني بشأن ترسيم الحدود البحرية اللبنانية الذي يحدد مع قبرص بخط الوسط الذي يعتمده المرسوم ٦٤٣٣ وخط الوسط مع إسرائيل الممتد من النقطةB1 في رأس الناقورة إلى النقطة ٢٩ الخط الذي يعتمده الجيش اللبناني في المفاوضات مع إسرائيل كما وتزامنت مع إرسال الرئيس السنيورة وفد لبنان المؤلف من مدير عام النقل البري والبحري عبد الحفيظ القيسي ومساعده حسن شعبان اللذين لا علاقة لهما لا من معلومات ولا من خبرة بموضوع ترسيم الحدود حسب إعترافهما لاحقا في جلسة مساءلة أمام لجنة الأشغال في مجلس النواب، لإدخال النقطة رقم ١ التي تفصل بين لبنان وإسرائيل في ترسيم خط الوسط مع قبرص الذي فرضته خريطة إشبيلية . وكانت حرب تموز حرب مدمرة وعمل فريق ١٤آذار برئاسة الرئيس السنيورة على شن حرب نفسية وإعلامية وتآمرية على حزب الله. في ١١/١١/٢٠٠٦ إستقال الوزراء الشيعة من الحكومة وذلك على خلفية قرار إنشاء المحكمة الدولية. فكانت الفرصة سانحة لتوقيع إتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص التي وافق عليها الوفد اللبناني بغياب الوزراء الشيعة في ١٧/١/٢٠٠٧ ووقعها وزير الأشغال والنقل محمد الصفدي والرئيس فؤاد السنيورة دون أن تعرض على مجلس الوزراء ودون علم رئيس الجمهورية آنذاك الرئيس إميل لحود بإعترافه وهو المخول الوحيد لإبرام المعاهدات الدولية كما تنص المادة ٥٢ من الدستور. بيد أن هذه الإتفاقية لم تسلك طريقها الدستوري من خلال المصادقة عليها في مجلس النواب وبالتالي لم يصدر مرسوم موقع من رئيس الجمهورية بهذه الحدود ليودع لدى الأمين العام للأمم المتحدة مرفقاُ بالإحداثيات الجيوغرافية والخرائط لتصبح مستند قانوني دولي يعول عليه.

قدمت الدولة اللبنانية من خلال السنيورة نقطة إنطلاق لإسرائيل إنطلاقا من النقطة رقم ١ خاصة وإن إسرائيل لم توقع على المعاهدة الدولية لقانون البحار، وكأنها تخطط وتدرك مسبقاُ أن تركيبة النظام الطائفي الكيدي المهترئ، سوف يسمح لها بكامل الوقت بالمضي قدماً في عملية التلزيم والتنقيب واستخراج الغاز قبل أن تقوم الحكومة اللبنانية بالإعتراض اللازم لدى الأمم المتحدة لثني إسرائيل من سرقة ثرواتنا. لأنها تممتلك ما يلزم من عدة في الداخل اللبناني، وحليف دولي صاحب قدرة ونفوذ يمتلك ما يعرف بالقوة الناعمة من عقوبات وثورات والفوضى البناءة التي تجعله قادر على تعطيل أي خطة داخلية في تصحيح الحدود والإعتراض لدى الأمم المتحدة في الوقت المطلوب، لردع إسرائيل من السيطرة على الثروات والحدود.

مع إستمرار الصراع في الداخل اللبناني بين فريق يقاوم وفريق يساوم، وبين أكثرية مؤقتة وأقلية مؤقتة. مر ملف ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل بمراحل مصيرية عرضت الداخل اللبناني لأبشع أشكال الأزمات.
في نهاية العام ٢٠٠٨، شكّلت الحكومة اللبنانية لجنة مشتركة تضم ممثلين عن الوزارات المعنية في الدولة لوضع تقرير مفصل حول حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة. رفعت اللجنة بتاريخ ٢٩/٤/٢٠٠٩ تقريرها المتعلق بتعيين الحدود البحرية الشمالية مع سوريا والجنوبية مع إسرائيل، وتم ربط هذه الحدود مع خط الوسط للحدود البحرية والمنصوص عنه في الاتفاقية بين لبنان وقبرص. وقد أضافت الدراسة التي قامت بها هذه اللجنة مساحة ٨٦٥ كلم ٢ عن الحدود المتمسكة بها إسرائيل إنطلاقاً من النقطة ١ وحددت اللجنة النقطة ٢٣ لتحل محل النقطة ١ في الإتفاق مع قبرص. أعقب ذلك إيداع احداثيات الحدود البحرية اللبنانية الجنوبية لدى الأمم المتحدة (9/7/2010 و11/10/2010).

في ١٧/١٢/٢٠١٠ أودعت قبرص لدى الأمم المتحدة إتفاقية ترسيم الحدود مع إسرائيل مع إعتماد النقطة رقم ١ كأساس في الحدود بين لبنان وإسرائيل على الرغم أن الإتفاق بين لبنان وقبرص في الفقرة الثالثة التي توضح أن النقطة رقم ١ غير نهائية ولا تصبح كذلك إلا بموافقة الأطراف الثلاث المعنية. فما كان على لبنان سوى الإعتراض بقرار حكومي لدى الأمم المتحدة على الترسيم بين قبرص وإسرائيل. إلا أن الأميركي وعد الحريري بإصدار القرار الظني للمحكمة الدولية بالمتهمين بإغتيال الحريري مقابل الإمتاع عن الإعتراض لدى الأمم المتحدة على الترسيم بين قبرص وإسرائيل، وكان الحديث إنذاك يتجه بإتهام أربعة عناصر من حزب الله. فاستدعي رئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري للقاء الرئيس أوباما لإبلاغه القرار ولرسم الخطة للمرحلة الجديدة، في ١٢/١/٢٠١١ فيما كان الرئيس سعد الحريري يهم إلى دخول البيت للقاء الرئيس الأميركي تلى وزير الطاقة آنذاك جبران باسيل بيان إستقالة وزراء التكتل ووزراء حزب الله وحركة أمل من مقر رئيس تكتل التغير والإصلاح العماد ميشال عون وبحضور وزراء التكتل وحزب الله وحركة أمل بالإضافة إلى الوزير الشيعي الوديعة لدى رئيس الجمهورية حينها ميشال سليمان مؤمنين الثلث زائد واحد لإسقاط الحكومة. بعد أقل من أسبوع في ١٧/١/٢٠١١ صدر القرار الظني بحق أربعة من عناصر حزب الله.
وظل الصراع السياسي على نوعية الحكومة وعلى تشكيلها من فريق واحد دون الآخر ففريق ١٤ آذار لا يريد حكومة فيها حزب الله بإعتباره قاتل الحريري حسب القرار الظني من جهة، ولكي لا بعترض على الترسيم الإسرائيلي القبرصي من جهة أخرى. إلى أن فاز فريق ٨ أذار مدعوماً من التيار الوطني الحر بتشكيل حكومة من لون واحد برئاسة نجيب ميقاتي بتاريخ ١٣/٦/٢٠١١ . وبعد ٧ أيام أي قبل أن تباشر الحكومة بعملها أرسلت بتاريخ ٢٠/٦/٢٠١١ رسالة إعتراض للأمين العام للأمم المتحدة على الترسيم بين قبرص وإسرائيل تعترض فيها على النقطة رقم ١ وصحة النقطة رقم ٢٣ عبر وزير الخارجية عدنان منصور. في ١٧/٨/٢٠١١ إجتمع مجلس النواب وأقر القانون ١٦٣/٢٠١١ قانون تحديد وإعلان المناطق البحرية للجمهورية اللبنانية. في اليوم ذاته أي في ١٧/٨/٢٠١١ وبناء على طلب من الحكومة اللبنانية، قدم جون براون والذي كان يعمل لدى المكتب الهيدروغرافي البريطاني تقريراً الى الحكومة اللبنانية، يقترح فيه اعتماد أحد خطين لترسيم الحدود البحرية اللبنانية الجنوبية يقعان جنوب خط الناقورة – النقطة ٢٣: الخط الأول، عبارة عن خط يسمى Bisector، وهو خط يقسم الزاوية مناصفة بين الاتجاه العام للشاطئ اللبناني والاتجاه العام للشاطئ الإسرائيلي ويمتد غرباً باتجاه البحر، بحيث يعطي لبنان مساحة اضافية تقدر بحوالى ٣٠٠ كلم². أما الخط الثاني، هو عبارة عن خط الوسط من دون احتساب أي تأثير للجزر أو الصخور الإسرائيلية ويعطي لبنان حوالى ١٤٣٠ كلم² جنوب النقطة ٢٣، وهذا هو الخط الذي يطالب به الوفد اللبناني أثناء المفاوضات غير المباشرة مع العدو الاسرائيلي في الناقورة. وبعد أقل من شهر ونصف بتاريخ ١/١٠/٢٠١١ صدر عن الحكومة اللبنانية المرسوم رقم ٦٤٣٣ الذي يحدد الحدود البحرية اللبنانية على أساس النقطة ٢٣ من جهة الجنوب وأودع لدى الأمم المتحدة عبر وزير الخارجية اللبناني، وأصبح الحدود الرسمية اللبنانية.

في ١٦/٢/٢٠١٢ زار لبنان السفير فريدريك هوف المنسق الأميركي الخاص لشؤون المنطقة مقترحا خط وسط بين لبنان وإسرائيل ويعود هذا الخط إلى الخبير في الترسيم الأميركي راي ميليفسكي. في محاولة لحل النزاع بينهما معطياً لبنان ٥٠٠ كلم٢ من أصل ال ٨٦٥ كلم٢ المختلف عليها إلا أن هذا الخط لم يعرضه الرئيس ميقاتي على مجلس الوزراء ولم يؤخذ به. في العام ٢٠١٤ أنشأت قيادة الجيش مكتب هيدروغرافي شبيه ومصغر عن المكتب الهيدروغرافي البريطاني، في بداية العام ٢٠١٨ بعد أن أصبح المكتب الهيدروغرافي التابع للجيش اللبناني بأعلى جهوزيته العلمية والتقنية حدد خط الأساس وأجرى عملية الترسيم للحدود البحرية اللبنانية بأعلى المعايير التقنية والقانونية فخلص إلى الخط الذي توافق مع خط جون براون من النقطة B1 في رأس الناقورة إلى النقطة ٢٩. وتزامناً مع ذلك وبتاريخ ٢٣/٢/٢٠١٨ زار مارشال بيلينغسلي مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب وجال على جميع الرئاسات والفعاليات السياسية والرئاسية مبرراً العقوبات التي ستضعها حكومته على بعض المصارف والشخصيات. وكرر زيارته قبل أقل من شهر على بداية ثورة ١٧ تشرين في ٢٣/٩/٢٠١٩ وزار مصرف لبنان مع فريق عمله وأعطى توجيهاته اللازمة للحفاظ على عملته الوطنية. في ١٧/١٠/٢٠١٩ إندلعت ثورة ١٧ تشرين نتيجة قرار من وزير الإتصالات محمد شقير برفع تسعيرة الواتسآب وسرعان ما تسارعت الأمور وتفاقمت وتدهورت بشكل دراماتيكي رافقها إرتفاع متواصل بسعر صرف الدولار والإنهيار الإقتصادي غير المسبوق ما لبثت الرئيس سعد الحريري أن استقال مع حكومته بتاريخ ٢٩/١٠/٢٠١٩، تماماً كما فعل الرئيس رفيق الحريري في العام ٢٠٠٤ تحت ضغط نفس الخط للمكتب الهيدروغرافي البريطاني. في ٢٧/١٢/٢٠١٩ رفع وزير الدفاع آنذاك إلياس بو صعب إلى حكومة تصريف الأعمال التعديل الجديد في الحدود طالباً تعديل المرسوم ٦٤٣٣ على أساس الخط ٢٩ بديلاً عن الخط ٢٣. في ٢١/١/٢٠٢٠ شكل حسان دياب حكومته الأولى بعد مخاض طويل وتحت وطأة وضغط الشارع والإنهيار الإقتصادي وتدهور سعر العملة الوطنية مقابل الدولار. في ٩/٣/٢٠٢٠ رفعت وزيرة الدفاع زينة عكر ملف تعديل المرسوم ٦٤٣٣ مجدداً إلى مجلس الوزراء للبت به، أُجل الملف لدراسته. علم رئيس الجمهورية في شهر حزيران بالتماطل في معالجة ملف ترسيم الحدود فضغط بإتجاه معالجة الملف ووضعه على جدول أعمال مجلس الوزراء للبت به، بتاريخ ٢١/٧/٢٠٢٠ إلا أنه لم يتم البت بالتعديل إنما رفع إلى الجلسة المقبلة. فكان دوي إنفجار ٤ آب ٢٠٢٠ شبيه بدوي إنفجار ١٤ شباط ٢٠٠٥.

في ١٨/٨/٢٠٢٠ أصدرت المحكمة الخاصة بلبنان حكمها بإدانة سليم جميل عياش وتكون بذلك قد حرقت ورقة الضغط في وجه حزب الله المستعملة منذ ترسيم ٢٠٠٧ مروراً بترسيم ٢٠١١ وصولا إلى ترسيم .٢٠٢٠ . ويبقى السؤال مقابل ماذا التخلي عن ورقة المحكمة؟ هل مقابل عدم تهديد شركة إنرجين اليونانية التي تنقب بحوض كاريش؟ أم مقابل ورقة أكثر فتكاً وهي إتهام حزب الله بتفجير المرفأ تستعمل في الجولة الجديدة في عملية الترسيم.

في عملية تشكيل الحكومة:

بعد أن أطاحت الثورة بحكومة الحريري خوفاً من تعديل المرسوم ٦٤٣٣ ، وبعد أن أطاح إنفجار المرفأ بحكومة حسان دياب منعاً لتعديل المرسوم ٦٤٣٣، وبعد أن ضغطت رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش على حكومة تصريف الأعمال لتعديل المرسوم، هدد رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب بالإعتكاف ، وبعد أن كلف الرئيس سعد الحريري من جديد بتأليف الحكومة وهو يتمنع عن التأليف تحت حجة لا ثلث معطل لرئيس الجمهورية ولا مشاركة للوزير باسيل في التأليف تحت زريعة حكومة إختصاصيين غير سياسية مع العلم أن الحريري أخذ موافقة حزب الله وحركة أمل والحزب الإشتراكي في تسمية وزرائهم ليطرح السؤال التالي.
هل معركة ترسيم الحدود بالشكل الحالي هي معركة رئيس الجمهورية وفريقه دون إستثناء؟

منذ بداية الثورة والحرب الإعلامية والشارعية موجهة بإتجاه رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل وهو رئيس أكبر تكتل نيابي في البرلمان. تترافق مع هذه الحملة حملة موازية على الفساد ونهب المال العام في محاولة لربط الفساد بفريق الرئيس وعهده ما دفع الرئيس بفتح ملف الفساد بما تبقى له من صلاحيات بعد إتفاق الطائف في محاولة لإمتصاص ضغط الشارع لتخفيف عدد الجبهات المفتوحة في وجهه، إلا أن هذا الملف من البديهي أن يطال معظم الطبقة السياسية والإدارية منذ الطائف الى اليوم ما يحتم على هذه الطبقة أن تتكاتف وتتحد في وجه من يحاربها ومواجهته بشتى أنواع الوسائل، المالية بما تملك من مال منهوب على مدى عشرات السنوات وسياسية لما تملك من نفوذ وسيطرة على الأمن والقضاء والإدارة، ما جعل من رئيس الجمهورية في مواجهة جميع أو معظم الطبقة السياسة التي تمسك البلد منذ الطائف الى اليوم. ما فرض وحدة المصلحة من هذه الطبقة مع الخارج المستفيد من عرقلة تعديل المرسوم ٦٤٣٣ فأصبح عرقلة الملف داخليا يحمي السياسيين والإداريين والأمنيين الكبار من التدقيق الجنائي والعقوبات الأميركية. وما العقوبات الأخيرة على الوزيرين السابقين فنيانوس وخليل إلا ورقة ضغط على الرئيس بري لمساعدة الحريري في عرقلة تشكيل الحكومة، والعقوبات على الوزير باسيل في سياق الضغط على رئيس الجمهورية لتسهيل تشكيل حكومة إختصاصيين لا ثلث معطل للرئيس ولا وجود سياسي لباسيل.

ما سبب تمسك الرئيس عون بالثلث المعطل؟

جاهد الرئيس ميشال عون على مدى ثلاثة عقود لإسترداد الدور السياسي المسيحي الذي سلب في الطائف من خلال تحويل معظم صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء. وأصبح مجلس النواب سيد نفسه أذ لا قدرة لرئيس الجمهورية على حله ولا حل مجلس الوزراء. أضف إلى ذلك ساهم قانون غازي كنعان أو قانون الستين الإنتخابي إلى تقسيم الدوائر على مقاس حلفاء سوريا في ذاك الوقت فما كان على الوجود المسيحي في الحياة السياسية إلا من خلال التبعية للأطراف الآخرين، فكان المسيحيون يصلون إلى البرلمان من خلال المحادل التي كان يركّبها الثلاثي بري حريري جمبلاط. إن إسترداد بعض الدور المسيحي من خلال تصحيح قانون الإنتخاب، وتصحيح النهج الذي كان متبعاً حيث كان الثلاثي المذكور يسمي الوزراء المسيحيين فبات هذا الأسلوب الإحتكاري من الماضي بعد حرب خاضها الرئيس عون خلال الثلاثين سنة الماضية. إلا أن هذه المعادلة أعادت البعض من صلاحيات الرئيس المسلوبة كالقرار السياسي في مجلس الوزراء إذ أن الرئيس عون هو أول رئيس مسيحي بعد الطائف صاحب أكبر تكتل نيابي قادر من خلال وزراء فريقه السياسي ووزراء حصة الرئيس من إكتساب أكبر كتلة وزارية تفوق ثلث أعضاء مجلس الوزراء خاصة أن ثاني أكبر حزب مسيحي خارج المشاركة. من هذا المنطلق إن الكلفة الباهظة التي تكبدها الوطن خلال حرب إستعادة الحقوق والدور السياسي لن تثني الرئيس عن التمسك بها وبقوة وعدم التفريط بها تحت أي ظرف.

أما فيما يعني الثلث المعطل: إن الحرب الدائرة بين الرئاسة الأولى والثانية من خلال الحرب على الفساد جعلت من حزب الله حليف الفريقين يميل إلى الرئيس بري نظراً للعلاقة التاريخية والدينية والوجودية إذ أن بيئة حزب الله هي نفسها بيئة حركة أمل وإن أي شرخ في هذه البيئة يقصف ظهر حزب الله ويضر بالمقاومة. من هذا المنطلق فإن أي موضوع مصيري وأساسي يستوجب منازلة بين الرئاستين، إن لم يجعل من حزب الله طرف مع بري أقله سيكون على الحياد.

بالعودة إلى تجربة ١٢/١/٢٠١١ يوم أُسقطت حكومة الحريري من الرابية حين أمن الثنائي الشيعي مع تكتل الإصلاح والتغيير الثلث المعطل لإسقاط الحكومة، من أجل تأمين الطريق للقانون ١٦٣/٢٠١١ والرسوم ٦٤٣٣/٢٠١١ المعنيين بترسيم الحدود اللبنانية شمالاً، غرباً، وجنوباً من خلال النقطة ٢٣ التي شدد عليها الرئيس بري في إتفاق الإطار الذي على أساسه تنازل عن الملف لصالح صاحب الحق الدستوري. أما وقد قفز الرئيس فوق توصيات الرئيس بري وكسر الإطار الذي حدده بري بالعودة إلى خط المكتب الهيدروغرافي البريطاني الذي رُسم منذ ٢٠٠٢ ورَسم معه المشهد السياسي على مدى عشرين عاماً. بالإضافة إلى تمسك بري بالخط ٢٣ مع علمه بأحقية الخط ٢٩ وتجاهله على مدى عشر سنوات يوم عرض على طاولة مجلس الوزراء بتاريخ ١٧/٨/٢٠١١ يؤكد أن إغتيال الرئيس الحريري جعل من جميع أصحاب القرار في لبنان تحت هول العبث بالخطوط المرسومة من أصحاب القرار الدوليين. إلا أن ما قام به الجيش اللبناني تقنياً لقي غطاءاً سياسياً من رئيس الجمهورية منفرداً جعل من الرئيس يتمسك بالثلث المعطل الذي لن يستطيع تأمينه من أحد في هذه المعركة الرئيسية.

يبقى أن التأخير في تشكيل الحكومة قد يجنب لبنان حرب تموز ثانية ذلك أن جميع الأطراف لن يخاطروا في التعرض لتجربة الرئيس رفيق الحريري . فإن عدم تشكيل الحكومة من قبل الرئيس سعد الحريري سوف يعطي الوقت للعدو الإسرائيلي للبدئ بالتنقيب في حوض كاريش ليصبح بأمر الواقع حوض إسرائيلي إن لم تعترض عليه الحكومة بعد تعديل المرسوم ٦٤٣٣ وإيداعه لدى الأمم المتحدة. حيث أن تعديل المرسوم ٦٤٣٣ إلى الخط ٢٩ يجعل من نصف حوض كاريش في البحر اللبناني ويصبح حوض متنازع عليه وإنسحاب الشركات الملتزمة التنقيب من الحوض لحل النزاع.

الخاتمة: لطالما كانت الثروات المدفونة في باطن الأرض محط أنظار الدول الكبرى، ووجبة دسمة تسيل لعاب الدول الطامعة ذات الشهية النهمة بلقمة سائغة سهلة الإلتهام في مجتمع مفكك عاجز في غابة من الوحوش. تبقى العبرة من كل ما ورد، أن تثبيت النقطة رقم ١ وطمس النقطة رقم ٢٩ كلف لبنان إنفجار ٢ طن من المتفجرات أدى الى إغتيال الحريري وحرب تموز هجرت نصف الشعب اللبناني. فبداية محاولة تثبيت النقطة ٢٩ بديلاً عن النقطة ١ بدأت بإنفجار ٢٧٠٠ طن من المتفجرات أدى إلى إغتيال العاصمة بيروت، وهل ستنتهي بأقل من حرب مدمرة تهجر كافة الشعب اللبناني؟ تطبيقاً لمبدأ إن لم تعطني كرامتك وثروتك آخذ روحك.

إلياس سعاده / تحليل وبحث

Open chat