10.8 C
بيروت
يناير 28, 2021
Jadeedouna

دير سيدة النصر- نسبيه غوسطا

د. روني خليل- مؤرّخ وأستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية – جديدنا الاخباري

تأسيس الدير: يقع دير سيدة النصر في المحلّة المعروفة باسم “مزرعة نسبيه” تيمناً بأحد الأشخاص الذي حمل هذا الاسم، واشتهرت هذه الأرض بخصوبة تربتها ووفرة مياهها وعذوبتها إضافة الى تنوّع أشجارها المثمرة. أما لقب “سيدة النصر” فيعود الى فكرة خلاص الأنفس عبر التعبّد للعذراء مريم.

يعود الفضل بتأسيس الدير الى الأب العام مرتينوس سابا الغوسطاوي الذي ترأس الرهبانية اللبنانية المارونية العام 1875، وساعده في تحقيق هذا الحلم الأب الياس خليفه وشقيقه الذي أوقف قبيل تسلّم الأب سابا الرئاسة العامة بسنتين 7 عقارات للرهبانية المذكورة في مزرعة نسبيه، تعتبر أساس انطلاقة الدير. فتكامل الأبوان سابا وخليفه في سبيل إنشاء الدير. التمس الرئيس العام ومجمع المدبرين من البطريرك بولس مسعد الإذن بتأسيس دير جديد في محلّة نسبيه في غوسطا بتاريخ 16 آذار 1879 .

ثم تواصل الأب العام بهذا الخصوص مع مطران أبرشية بعلبك يوحنا الحاج لكون بلدة غوسطا تقع ضمن حدودها، فجاءت بركة سيادته في 2 نيسان 1879 إعلاماً ببدء العمل والمباشرة بالبناء، وعليه؛ بدأت المهمة في العام 1880، وانتهى البناء في العام 1883، فجاء بفنّ معماري بديع تعلو أسقفه الحجارة المعقودة والقناطر، وطوابقه الثلاثة ترمز لضخامة بنيانه مع كنيسة يضفو عليها رهبة ورونق في آن معاً، مع فسحات واسعة، تحيط به أشجار الصنوبر. وخلّدت لوحة وضعت فوق باب الكنيسة جاء فيها:

“قد شاد للعلم في نسبيه ريّسنا مرتينوس العام ديراً لبّ لبنان
مع هيكل الله معزياًّ لسيدة تُعزى الى النصر مزداناً بإتقان
قد جاء تاريخه مما يصادقه إذ تمّ ما قيل أعطي مجد لبنان
سنة 1883”

هدف الأب العام مرتينوس من بناء الدير، أن يكون إضافة الى كونه مركز صلاة وتعبّد وحياة ديرية، مدرسة للرهبان الدارسين. وفي العام 1899 ثبّته البطريرك الياس الحويك معهداً لتعليم الناشئة في الرهبانية فاستمر في رسالته حتى تاريخ اندلاع الحرب العالمية الأولى العام 1914، مانحاً طلابه العلوم المختلفة من حساب ولاهوت ولغات سريانية وفرنسية وسواها. عاد الى متابعة نشاطه التربوي مع مطلع أربعينيات القرن الفائت، واستمر في رسالته حتى العام 1994، مستقبلاً ومعلماً الرهبان، تاريخ انتقالهم الى دير طاميش، وبقيت مهمته حتى سنة 2018 مركزاً لاستقبال الطالبين الدخول للترهب.
أبرز المحطات التاريخية في الدير:

مقر مؤقت للبطريركية المارونية:
بين أعوام 1890 و 1894، اتخذه البطريرك يوحنا الحاج مقراً بطريركياً بالتزامن مع ورشة ترميم صرح بكركي، وذلك لعدة عوامل منها؛ قربه من بكركي، جمال عمارته وطبيعته الخلابة المحيطة به… فأقيمت فيه الاحتفالات الطقسية والروحية المختلفة من ترقية كهنة للدرجة الأسقفية الى قداسات الأعياد واستقبال أرفع الشخصيات الوطنية والأجنبية، الى عقد الاجتماعات الدورية للأساقفة وترؤس غبطته مجمعين للرهبانية اللبنانية (1894 و 1895) … وكم من المراسيم البطريركية التي حملت في ذيلها عبارة “صدر عن ديواننا البطريركي في دير سيدة النصر نسبيه” أو “عن مقرنا في دير نسبيه”.

استقبال رئيس الجمهورية ألفرد نقاش:
بتاريخ 23 آب 1941، زاره رئيس الجمهورية ألفرد نقاش، مانحاً في الوقت عينه الوسام اللبناني المذهّب للرئيس العام الأباتي باسيل غانم.

الدير في الفترة المعاصرة:
بادر الدير سنة 1989 بإنشاء مركز تثقيف ديني ولاهوتي للبالغين، وكانت هذه المبادرة رائدة في المنطقة، وعلّم فيه أساتذة من كليّة اللاهوت الحبريّة في الكسليك.
وفي فترات لاحقة، زيد عليه غرفٌ وفسحات مع المحافظة على طابعه التراثي والتاريخي، وبالتنسيق مع لجنة الآثار الوطنية . واليوم يتابع الدير نشاطه الروحي والاجتماعي ليس فقط بالنسبة للرهبانية إنما أيضاً للمنطقة وجوارها فبات مركز حجّ وصلاة وتأمّل.

د. روني خليل- مؤرّخ وأستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية – جديدنا الاخباري

Open chat