الوساطة القطرية: هل تمنع انهيار جبل الريحان؟

لا تتحرّك الدوحة في لبنان من باب المجاملة الدبلوماسية. فحين تتقدّم الجبهات وتتراجع فرص التسويات، تتحوّل الوساطة إلى محاولة لانتزاع ما تعجز عنه المفاوضات التقليدية. واليوم، يعود الدور القطري إلى الواجهة، وسط سباق بين المساعي السياسية والضغط العسكري، فيما يقف جبل الريحان أمام احتمال تكرار سيناريو علي الطاهر.
يصل رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى بيروت، حاملا جدول لقاءات يتجاوز البروتوكول إلى الملفات الأكثر حساسية. وتستعد المقرات الرسمية اليوم لاستقباله، بدعوة من رئيس الحكومة نواف سلام، في زيارة قد تبدو استطلاعية في ظاهرها، لكنها تحمل، وفق معلومات “نداء الوطن”، مجموعة من الرسائل والمبادرات التي تتصل بمستق
بل الجنوب وسلاح “حزب الله” وموقع الدولة اللبنانية في أي تسوية مقبلة.
ولا يأتي التحرّك القطري من فراغ. فقد سبق للدوحة أن أدّت دورًا محوريًا في محطات لبنانية مفصلية، أبرزها رعايتها اتفاق الدوحة عام 2008، بعد أحداث السابع من أيار وما رافقها من استخدام “الحزب” سلاحه في الداخل. ومنذ ذلك الحين، حافظت قطر على قنوات اتصال مع أطراف متباينة، مستفيدة من قدرتها على التواصل مع واشنطن وطهران، فضلا عن علاقاتها الإقليمية والدولية.
وتشير معلومات “نداء الوطن” إلى أنّ الدوحة دخلت، خلال الأشهر الماضية، على خط الاتصالات المرتبطة بتلّة علي الطاهر. وبعد تعثّر تسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، ثم تبدّل المعادلات الميدانية وتراجع قدرة “حزب الله” على الاحتفاظ بمواقعه، أسهمت الاتصالات القطرية، وفق المعلومات، في إخراج مقاتلين من “الحزب” والحرس الثوري الإيراني قبل التقدّم الإسرائيلي. وإذا صحّ هذا المسار، فإنّ الوساطة لم تعد محصورة بتبادل الرسائل، بل باتت
تتصل مباشرة بإدارة الانسحابات وتفادي مزيد من الخسائر.
وتكشف المعطيات نفسها عن مسعى قطري لمعالجة ملف سلاح “حزب الله”، لكن ليس وفق صيغة الاحتواء التي أبقت السلاح خارج سلطة الدولة طوال سنوات. فالمطلوب هذه المرّة، بحسب المعلومات، البحث في حلّ نهائي للمسألة، لا تدويرها ضمن تسوية موقتة. ولا تتحدث المعطيات عن مكاسب سياسية لـ”الحزب”، بقدر ما تشير إلى إمكان توفير مظلة تحول دون اتساع المواجهة، وتحمي ما تبقّى من الجنوب، وتفتح الطريق أمام إعادة الإعمار.
ويبرز جبل الريحان في قلب هذه الحسابات. فبعد علي الطاهر، تبدو الأولوية لتجنيب المنطقة مصيرًا مماثلا، عبر صيغة قد تقوم على انسحاب مقاتلي “حزب الله” وتسليم المواقع إلى الجيش اللبناني. وقد تنتقل هذه المبادرة إلى “الحزب” عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، إذا نضجت الاتصالات وأمكن تحويل الأفكار المتداولة إلى تفاهم قابل للتنفيذ. لكن نجاحها سيبقى رهنًا بقبول الأطراف المعنية، وبمدى استعدادها لتقديم الانسحاب لمصلحة انتشار الدولة.
ولا ينفصل هذا الملف عن ب
قية جدول الزيارة، من دعم الجيش اللبناني إلى أزمة الطاقة والكهرباء وإعادة الإعمار، وصولا إلى محاولة تجنيب لبنان حرب إسناد جديدة. فالمواجهة المقبلة، إذا دخلها “الحزب” مجددًا، قد تكون أشدّ وطأة، فيما لم يعد الجنوب يحتمل مغامرة إضافية تُستنزف فيها القرى والسكان وما تبقّى من مقومات الحياة.
وتبقى العبرة بما سيُطرح خلف الأبواب المغلقة، لا بما سيصدر عن اللقاءات من عبارات عامة. فإما أن تنجح الدوحة في تحويل اتصالاتها إلى مخرج يحمي جبل الريحان ويعيد القرار العسكري إلى الدولة، وإما أن يبقى لبنان أسير الانتظار، فيما ترسم الوقائع الميدانية حدود التسوية المقبلة بالنار.
ألان سركيس – نداء الوطن

