أربعة عقود من العقوبات… كيف تخنق واشنطن الاقتصاد الإيراني؟

على مدى أكثر من أربعة عقود، شكّلت العقوبات الأداة الأبرز في سياسة الولايات المتحدة الاميركية تجاه ايران، وتنقّلت بين الإدارات الجمهورية والديمقراطية من دون أن تتوقف، وإن اختلفت حدّتها وأهدافها بين مرحلة وأخرى. وفي ما يلي تتبّع زمني لأهم محطاتها منذ أزمة الرهائن عام 1979 حتى تشرين الأول 2026.
بدأت العقوبات الأميركية على إيران بعد أزمة الرهائن عام 1979، حين اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأميركية في طهران عقب الثورة بقيادة روح الله الخميني، واحتجزوا 52 أميركياً مدة 444 يوماً مطالبين بتسليم الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي. ردّ الرئيس جيمي كارتر في تشرين الثاني 1979 بإعلان حالة طوارئ وطنية وتجميد الأصول الإيرانية الخاضعة للولاية الأميركية، ثم قُطعت العلاقات الدبلوماسية عام 1980.
ومنذ ذلك الوقت تعاقبت الإدارات الأميركية على تشديد العقوبات، عبر قوانين من الكونغرس وأوامر تنفيذية رئاسية، وتتولى وزارة الخزانة تنفيذ معظمها من خلال مكتب مراقبة الأصول الأجنبية. وتستند العقوبات إلى اتهامات لطهران بدعم الإرهاب وتطوير برامج نووية وصاروخية.
من الثمانينيات إلى التسعينيات
في كانون الثاني 1984 صُنّفت إيران دولة راعية للإرهاب، فقُيّدت المساعدات وصادرات الأسلحة وبعض السلع ذات الاستخدام المزدوج. وفي عام 1992 أقرّ الكونغرس قانوناً يعاقب كل من يساعد إيران في الحصول على أسلحة كيميائية أو بيولوجية أو نووية أو تقليدية متطورة. وفي عام 1995 منع الرئيس بيل كلينتون الشركات الأميركية من الاستثمار في قطاع النفط والغاز الإيراني ومن التجارة مع إيران، وفي عام 1996 أُقرّ قانون العقوبات على إيران وليبيا لاستهداف الاستثمارات في النفط الإيراني.
عهد جورج بوش الابن وباراك أوباما
في عام 2007 فُرضت عقوبات في عهد جورج بوش الابن على الحرس الثوري ووزارة الدفاع، وعلى فيلق القدس بسبب دعمه جماعات تصنفها واشنطن إرهابية، ومنها حزب الله وحماس. وفي عام 2010 أقرّ الكونغرس في عهد باراك أوباما قانوناً شاملاً شدّد العقوبات على الشركات العاملة في قطاع الطاقة الإيراني أو المصدّرة للمنتجات النفطية المكررة إليها. وفي حزيران 2011 طالت العقوبات الحرس الثوري والباسيج وقوات إنفاذ القانون، وفي كانون الأول 2011 وقّع أوباما قانون تفويض الدفاع الذي أتاح معاقبة المؤسسات المالية الأجنبية التي تتعامل مع البنك المركزي الإيراني. ثم توسعت العقوبات في آب 2012 وكانون الثاني 2013 لتشمل النفط والبتروكيماويات والشحن وبناء السفن والموانئ، وفي حزيران 2013 استهدفت الريال الإيراني وقطاع السيارات.
الاتفاق النووي
وُقّع الاتفاق في تموز 2015، والتزمت واشنطن بموجبه برفع العقوبات النووية دون المساس بتلك المتعلقة بالإرهاب والصواريخ الباليستية. دخل الاتفاق حيز التنفيذ في كانون الثاني 2016 بعد تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية التزام إيران، لكن واشنطن فرضت في اليوم التالي عقوبات جديدة بسبب برنامج الصواريخ. وفي كانون الأول 2016 مُدّد قانون العقوبات على إيران عشر سنوات.
ولاية دونالد ترامب الأولى
في شباط 2017 فُرضت عقوبات على 13 فرداً و12 كياناً، وفي تموز 2017 أقرّ مجلس النواب قانوناً لمواجهة خصوم أميركا يشمل إيران وروسيا وكوريا الشمالية. وبعد انسحاب ترامب من الاتفاق في أيار 2018، أُعيدت العقوبات في تشرين الثاني 2018 مع إدراج أكثر من 700 فرد وكيان وسفينة وطائرة، وهي من أكبر الحزم. وفي نيسان 2019 صُنّف الحرس الثوري منظمة إرهابية، وفي أيار 2019 فُرضت عقوبات على الحديد والصلب والألومنيوم والنحاس، ثم في أيلول 2019 على البنك المركزي وصندوق التنمية الوطني. وفي أيلول 2020 شملت العقوبات منظمة الطاقة الذرية، وفي تشرين الأول 2020 طالت 16 مصرفاً إيرانياً، ثم وزارة النفط وشركتي النفط والناقلات الوطنيتين.
عهد جو بايدن
استهدفت العقوبات برنامج الطائرات المسيّرة في تشرين الأول 2021، والتدخل في الانتخابات الأميركية في تشرين الثاني 2021، وشرطة الأخلاق ومسؤولين أمنيين بعد وفاة مهسا أميني في أيلول وتشرين الأول 2022. وتواصلت حتى عام 2023 بسبب تزويد روسيا بالمسيّرات ودعم برنامجي الصواريخ والمسيّرات. وجاءت عقوبات ردّاً على هجومي “الوعد الصادق” في نيسان وتشرين الأول 2024، منها تصنيف قطاعي النفط والبتروكيماويات خاضعين للعقوبات، ثم عقوبات على شبكات نقل النفط في كانون الأول 2024.
ولاية دونالد ترامب الثانية
أصدر ترامب في شباط 2025 مذكرة تقضي بأقصى ضغط اقتصادي على إيران، فتتابعت العقوبات على شبكات تصدير النفط إلى الصين. وفي تموز 2025 فُرضت أكبر حزمة منذ 2018، واستهدفت أكثر من 50 شخصاً وكياناً و50 سفينة. وفي أيلول 2025 أعادت الأمم المتحدة عقوبات ما قبل الاتفاق عبر “آلية الزناد”.
حرب 2026
بدأت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط 2026، وسرى وقف لإطلاق النار في 8 نيسان. وفي نيسان 2026 فُرضت عقوبات على 14 فرداً وكياناً وطائرة بسبب شراء أسلحة ومكوناتها، وفي أيار 2026 على 12 فرداً وكياناً بسبب مساعدة الحرس الثوري على بيع النفط للصين. ثم تجددت الحرب على إيران في 8 تموز 2026 بعد انهيار وقف إطلاق النار، وتزامن ذلك مع عقوبات استهدفت رجل الأعمال علي أنصاري المتهم بإدارة أصول لصالح المرشد مجتبى خامنئي، وشركات مرتبطة بالملياردير بابك زنجاني، وجهتين اتُّهمتا بفرض تأمين بحري إلزامي على السفن العابرة لمضيق هرمز، وشركات تمثل “ماهان إير”. وفي آب 2026 فُرضت عقوبات على منصات تبادل الأصول الرقمية، وفي 24 آب أطلق وزير الخزانة سكوت بيسنت عملية “المنبوذ الاقتصادي” لاستهداف خمسة قطاعات: الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن البحري.
وفي لبنان، فُرضت في آذار 2026 عقوبات على رجل الأعمال علاء حمية وشبكته، ثم في أيار 2026 على تسعة أشخاص اتُّهموا بعرقلة عملية السلام ونزع سلاح حزب الله، بينهم أربعة نواب من الحزب ومسؤولون عسكريون وأمنيون ومسؤولان أمنيان في حركة أمل. وفي حزيران 2026 طالت العقوبات رئيس تيار المردة سليمان فرنجية والقيادي في حزب الله محمود قماطي المتهم بتنسيق تهريب أموال نقدية من إيران، إضافة إلى شركات مرتبطة بشبكة حمية. وفي 20 آب 2026 فُرضت عقوبات على عشرة أشخاص في شبكة تهريب نقد لحزب الله، قال مسؤولون أميركيون إنها تنقل مئات الملايين من الدولارات عبر رحلات جوية تجارية بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران، ويديرها رجل الأعمال التركي يونس ألبير يلماز عبر شركات صرافة واجهة. وفي اليوم نفسه أُعيد تصنيف حزب الله على أنه يعمل في خدمة النظام الإيراني تحت قيادة فيلق القدس.
وفي أيلول 2026 فُرضت عقوبات على 36 جهة مرتبطة بقطاع الطيران، بينها 27 شركة طيران إيرانية، مع توسيع العقوبات على “ماهان إير”، وأُوقفت تراخيص عامة كانت تتيح بعض المعاملات مع الطيران المدني الإيراني. وبلغ عدد شركات الصرافة الإيرانية الخاضعة للعقوبات الأميركية 20 شركة، بينها ست مملوكة لبنوك، بحسب “إيران إنترناشيونال”.
تشرين الأول 2026
في الأول من تشرين الأول 2026 أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية تحديداً قطاعياً يشمل قطاعي السيارات والسكك الحديدية، وأدرج 30 جهة بينها “إيران خودرو” و”سايبا” وشركة السكك الحديدية الوطنية. وفي اليوم نفسه صُنّفت شبكة A7 المصرفية الموازية المرتبطة بروسيا منظمةً إجرامية عابرة للحدود. وفي الخامس من تشرين الأول وجّه المكتب إشعاراً إلى المؤسسات المالية الأجنبية يحذّرها من عقوبات محتملة دون إنذار مسبق إذا تعاملت مع إيران. وفي الثامن منه استهدفت عقوبات 17 سفينة و18 شركة مرتبطة بها، وصفتها الخزانة بأنها “بقايا أسطول الظل”.
ومساء اليوم فرضت إدارة الرئيس دونالد ترامب عقوبات جديدة مرتبطة بإيران استهدفت 16 فرداً و10 كيانات، وفق إشعار نُشر على الموقع الإلكتروني لوزارة الخزانة الأميركية.
وقالت الخزانة الأميركية إن الخناق يضيق على الاقتصاد الإيراني ولن نتوقف حتى نستنزف خزائن النظام. وأضافت ان العقوبات الجديدة تستهدف مصرفًا عراقيًا سهّل التفاف طهران على العقوبات ووفّر لها إمكانية الوصول إلى الدولار الأميركي.
يتّضح من هذا المسار أن العقوبات انتقلت من تجميد الأصول وقطع العلاقات عام 1979 إلى منظومة متشعبة تطال النفط والمصارف والشحن والطيران والسيارات والسكك الحديدية والأصول الرقمية، وتمتد آثارها إلى شركات وبنوك وشخصيات خارج إيران، ومنها حلفاؤها في لبنان. ثم بلغت ذروتها مع حرب ٢٠٢٦ وإطلاق عملية “المنبوذ الاقتصادي” التي تؤكد واشنطن أنها حملة متواصلة لقطع ما تسميه شرايين تمويل النظام الإيراني، ولا تزال فصولها مفتوحة.
لبنان 24

