اخبار لبنان - Lebanon News

دمشق والضاحية تحت الضغط الإسرائيلي… هل تجمعهما الوساطة التركية؟

إذا كانت المعلومات المتداولة عن قيام موفد تركي بزيارة العاصمة السورية دمشق والضاحية الجنوبية لبيروت دقيقة، فإن المساعٍ الهادفة إلى تحقيق تقارب بين القيادة السورية الجديدة و”حزب الله” قد تأخذ أبعادًا نمطية متقدمة في المدى المنظور. وبحسب المعلومات المتداولة إعلاميًا أن هذه الزيارة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن تحرك عدد من الوسطاء على خط التهدئة بين الجانبين، إلا أن النقاشات باتت تتركز اليوم على سبل التعاون والتنسيق لدرء الأخطار المقبلة، ولا سيما في ظل التهديدات الإسرائيلية التي تستهدف دمشق والضاحية الجنوبية، والتي ترتفع مؤشرات التصعيد فيها.

وتكتسب هذه المساعي أهمية إضافية إذا ما وُضعت في ضوء التحول الذي طرأ على خطاب “حزب الله” نفسه تجاه دمشق.

فبعد مرحلة اتسمت بمواجهة سياسية عميقة بين الطرفين على خلفية الحرب السورية والإرث الثقيل الذي تركته مشاركة الحزب في الحرب إلى جانب النظام السابق، أعلن الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، في آب الماضي، استعداده لعقد لقاء علني مع القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع. وكان الإعلان، وفق ما أوردته تقارير لبنانية، قد جاء بعد اتصالات غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين ومحليين.
وفي الاتجاه المقابل، كان الشرع قد أعلن في حزيران استعداد دمشق للجلوس مع “حزب الله” إذا كان ذلك يصب في مصلحة سوريا ولبنان، مع إشارته في الوقت نفسه إلى أن “جرحاً سورياً” لا يزال قائماً نتيجة أحداث سابقة كان للحزب دور فيها. كما شدد على أن إغلاق باب الحوار قد يقود إلى التصعيد، وأن دمشق تفضّل معالجة الخلافات من خلال الحوار.

وهنا تكمن أهمية التحرك التركي الجديد. فالمسألة لم تعد، على ما يبدو، محاولة لإعادة العلاقة بين دمشق و”حزب الله” إلى ما كانت عليه قبل سقوط النظام السابق، فهذا أمر بات جزءاً من الماضي. كما أنها لا تعني بالضرورة عودة التحالف السابق أو إعادة فتح القنوات القديمة بالصيغة نفسها.
المطروح يبدو مختلفا،وهو إيجاد حد أدنى من التواصل بين طرفين أصبح لكل منهما حساباته الجديدة، في مواجهة مخاطر مشتركة قد تفرض عليهما تنسيقاً لم يكن ممكناً قبل أشهر.
فدمشق الجديدة معنية بمنع تحويل الأراضي السورية إلى ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي، و”حزب الله” معني بمنع انتقال الضغط الإسرائيلي من الجبهة اللبنانية إلى العمق السوري بما يفتح مساراً أكثر اتساعاً من المواجهة. ومن هنا يصبح العامل الإسرائيلي عنصراً ضاغطاً على الطرفين.

فالتهديدات التي تطاول دمشق والضاحية قد لا توحّد المواقف السياسية بينهما، لكنها يمكن أن تخلق مصلحة أمنية مشتركة في منع توسع دائرة الاستهداف. وهذا تحديداً ما يجعل الوساطة التركية لافتة.
فأنقرة تمتلك قنوات مع دمشق، كما أنها قادرة على التواصل مع أطراف لبنانية وإقليمية مختلفة، وبالتالي فإن دورها قد لا يكون محصوراً في ترتيب لقاء سياسي، بل في اختبار إمكانية إنشاء قناة اتصال تسمح بإدارة مرحلة شديدة الحساسية من دون أن تتحول الخلافات السابقة إلى عامل تفجير إضافي.

لكن السؤال الأساسي يبقى: هل نحن أمام مصالحة بين سوريا – الشرع و”حزب الله” أم مجرد تفاهم اضطراري على إدارة درء الأخطار؟ المعطيات المتوافرة حتى الآن لا تسمح بالذهاب أبعد من ذلك.
فالشرع لم يلغِ تحفظاته على المرحلة السابقة، وقاسم لم يعلن عودة العلاقة إلى صيغتها القديمة. وما صدر من الطرفين حتى الآن يتحدث عن استعداد للحوار، لا عن تحالف جديد. وهذا الفارق مهم جداً، لأن دمشق اليوم ليست دمشق الأمس، و”حزب الله” بعد التحولات اللبنانية والإقليمية ليس الحزب نفسه الذي كان يتحرك داخل سوريا في السنوات السابقة. لذلك فإن أي انفتاح محتمل لا بد أن يُبنى على قواعد جديدة، عنوانها احترام خصوصية القرار السوري من جهة، وعدم تحويل سوريا إلى منصة مواجهة مع لبنان من جهة أخرى. وقد يكون هذا تحديداً ما يحاول الوسيط التركي اختباره.
فهل تستطيع دمشق و”حزب الله” الانتقال من ذاكرة الصراع إلى واقعية المصالح؟

الإجابة لن تظهر في البيانات، بل في طبيعة الاتصالات المقبلة وما إذا كانت ستنتقل من الوساطة غير المباشرة إلى لقاء سياسي معلن، ثم إلى تفاهمات عملية حول الحدود والأمن ومنع استخدام الساحتين السورية واللبنانية لتبادل الرسائل العسكرية.

وفي هذه الحالة، يصبح التهديد الإسرائيلي عاملاً مسرّعاً لمسار كان من الصعب تصوره قبل أشهر، لكن المفارقة أن ما قد يجمع دمشق و”حزب الله” اليوم ليس الماضي الذي فرّق بينهما، بل الخطر المقبل الذي قد يفرض عليهما، للمرة الأولى بعد التغيير السوري، البحث عن مساحة مشتركة جديدة.

لبنان 24

زر الذهاب إلى الأعلى