اخبار لبنان - Lebanon News

رواية الأزمات: كيف تُبنى السردية؟

ليس كل ما يبدو منطقيًا في الخطاب العام منطقًا بالضرورة، وليس كل ما يستند إلى حقيقة جزئية يؤدي إلى معرفة صحيحة. فاللامنطق لا يخص مجالًا دون آخر؛ لا يصبح الاستدلال السطحي مقبولًا لأنه ورد في خطاب سياسي، ولا يصبح أكثر علمية لأنه استعان بمصطلح اقتصادي أو رقمي. في السياسة والاقتصاد، كما في الحياة اليومية، تبقى القاعدة واحدة: إذا كانت الظاهرة مركبة، فإن اختزالها إلى عامل واحد لا يصبح تفسيرًا لمجرد أن العامل المختار موجود فعلًا وله أثر قابل للإثبات.

يمكن إدراك هذه المسألة من مثال بسيط. الثمالة تجعل الإنسان أقل قدرة على تقدير المخاطر وعلى التحكم في سلوكه، وقيادة السيارة وهو ثمل تجعل نتائج هذا الضعف أشد خطورة بكثير. فإذا استنتج أحدهم من ذلك أن «المشكلة في السيارة وليست في الثمالة»، فهو لم يكتشف تفسيرًا جديدًا، بل نقل موضع المشكلة من عامل إلى آخر. السيارة بالفعل تضاعف الخطر، لكن ذلك لا يلغي أن الثمالة كانت شرطًا أساسيًا في نشوء السلوك الخطر. إن اختلاف حجم النتيجة باختلاف الظروف المحيطة بها لا يسمح لنا بإلغاء أحد عناصر السلسلة السببية.

هذا النوع من الاستدلال يتكرر بصورة واسعة في الحياة الاجتماعية والسياسية. يقال إن الفقر سببه ارتفاع الأسعار، أو إن الجريمة سببها الفقر، أو إن الهجرة سببها البطالة، أو إن الاستقطاب سببه وسائل التواصل الاجتماعي، أو إن ضعف التعليم سببه ضعف المعلمين. لا تخلو هذه العبارات من عناصر صحيحة؛ فارتفاع الأسعار يؤثر في مستوى المعيشة، والفقر قد يرفع بعض أشكال المخاطر الاجتماعية، والبطالة قد تدفع إلى الهجرة، والمنصات الرقمية تستطيع تضخيم الاستقطاب، ومستوى المعلمين يؤثر في التعليم. لكن وجود علاقة بين عامل ونتيجة لا يعني أن هذا العامل وحده يفسر الظاهرة. هنا تحديدًا يبدأ الفرق بين التفكير الذي يبحث عن المعرفة والخطاب الذي يبحث عن تفسير سريع قابل للتداول.

فالخطاب اللامعرفي لا يحتاج بالضرورة إلى معلومة خاطئة. وهذه هي قوته وخطورته في آن واحد. يكفي أن يأخذ حقيقة صحيحة، ويقتطعها من سياقها، ثم يمنحها وظيفة تفسيرية أكبر من قدرتها الفعلية. تصبح الحقيقة الجزئية عندئذ بديلًا عن الحقيقة الكاملة، ويصبح العامل المؤثر «سببًا»، والعامل المساهم «سببًا حاسمًا»، والعامل المضاعف «سببًا أصليًا». وفي هذه النقلة الصغيرة من «يساهم في» إلى «يُفسر» تتغير طبيعة الحجة كلها.

من هنا، فإن المشكلة في هذا النوع من الخطاب ليست التبسيط في حد ذاته. التبسيط ضرورة في التواصل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ولا يمكن لأي خطاب عام أن يعيد إنتاج كل تعقيدات الواقع في كل مرة. المشكلة تبدأ عندما يتحول التبسيط من وسيلة لشرح الواقع إلى وسيلة لإعادة تعريفه. فعندما نختزل ظاهرة مركبة في عامل واحد، لا نكون قد شرحنا الظاهرة بالضرورة؛ قد نكون فقط اخترنا الجزء الذي يخدم القصة التي نريد روايتها.

وتظهر خطورة هذا المنهج بوضوح أكبر في الأزمات الاقتصادية والمالية، لأن هذه الأزمات بطبيعتها نتاج تفاعلات ممتدة بين مؤسسات وقرارات وحوافز وتدفقات وتوقعات. فالنتيجة التي تظهر في نهاية السلسلة قد تكون بعيدة جدًا عن القرار الذي ساهم في إنتاجها، والخسارة التي تقع في ميزانية مؤسسة قد تكون مرتبطة بالتزام نشأ في ميزانية مؤسسة أخرى. ولذلك فإن السؤال عن «المكان الذي ظهرت فيه الخسارة» ليس بالضرورة سؤالًا عن «المكان الذي نشأت فيه الخسارة».

الأزمة المالية والمصرفية اللبنانية تقدم مثالًا بالغ الوضوح على هذه المشكلة. فمن الممكن أن نجد في الخطاب العام تفسيرات متنافسة من قبيل: الدين العام هو السبب، المصارف هي السبب، مصرف لبنان هو السبب، الفساد هو السبب، أو الدولة هي التي أفلست النظام المصرفي. وقد تحتوي كل واحدة من هذه الصيغ على جزء مهم من الحقيقة، لكن تحويلها من «عامل في الأزمة» إلى «تفسير للأزمة» يحتاج إلى برهان لا توفره العبارة بمجرد إطلاقها. فالأزمة لم تكن علاقة ثنائية بين طرفين، وإنما نشأت داخل شبكة مترابطة من المالية العامة والسياسة النقدية والقطاع المصرفي وتدفقات رؤوس الأموال وسعر الصرف والثقة والحوكمة، بحيث إن عزل عنصر واحد عن هذه الشبكة قد ينتج رواية سياسية واضحة، لكنه لا ينتج بالضرورة تفسيرًا اقتصاديًا كافيًا.

ولهذا فإن القول إن «الدين العام هو سبب الأزمة» يلتقط جانبًا أساسيًا من ضعف المالية العامة، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال التالي: كيف انتقلت ازمة المالية العامة إلى ميزانيات المصارف، وكيف أصبح النظام المصرفي شديد الارتباط بالدولة وبالمصرف المركزي، وكيف تحولت أزمة الثقة والسيولة إلى أزمة نقدية وانهيار في القدرة على الوفاء بالالتزامات؟ وبالمثل، فإن القول إن «المصارف هي سبب الأزمة» قد يسلط الضوء على مسؤوليات وقرارات وانكشافات مصرفية حقيقية، لكنه لا يلغي السؤال عن البيئة السيادية والنقدية التي نشأت فيها تلك الانكشافات، ولا عن الحوافز التي جعلت استمرارها ممكنًا. وكذلك فإن رد الأزمة كلها إلى «الفساد» قد يكون توصيفًا مهمًا لخلل مؤسسي عميق، لكنه لا يقدم وحده الآلية المالية والنقدية التي تفسر انتقال الخلل إلى ميزانيات الدولة والمصرف المركزي والمصارف ثم إلى الودائع.

هنا تحديدًا ينبغي التمييز بين التفسير السببي وتوزيع المسؤولية. فأن نقول إن طرفًا ما ساهم في نشوء الأزمة لا يعني تلقائيًا أن هذا الطرف وحده مسؤول عن كل نتائجها، وأن إثبات المسؤولية عن قرار أو ممارسة معينة لا يجيب وحده عن سؤال من ينبغي أن يتحمل الخسائر. المسؤولية القانونية ليست هي المسؤولية الأخلاقية، والمسؤولية السياسية ليست هي القدرة الاقتصادية على تحمل الخسارة، كما أن القدرة على تحمل الخسارة لا تثبت بذاتها مسؤولية صاحبها عن نشوء الأزمة. الخلط بين هذه المستويات ينتج خطابًا يبدو حاسمًا لأنه يقفز فوق الأسئلة التي تجعل المسألة صعبة أصلًا.

ولهذا فإن إحدى أكثر الأدوات شيوعًا في الخطاب اللامعرفي هي الانتقال من سؤال «كيف حدثت الأزمة؟» إلى سؤال «من يجب أن ندينه؟» من دون المرور بالمسافة التحليلية الفاصلة بينهما. عندما يصبح تحديد المسؤول سابقًا على بناء النموذج السببي، يبدأ الواقع بالتكيف مع الرواية بدل أن تتكيف الرواية مع الواقع. عندها لا يعود المطلوب تفسير كيف تفاعلت الدولة والمصارف والمصرف المركزي وتدفقات رأس المال والسياسة النقدية، بل يصبح المطلوب العثور على الحلقة التي يمكن تحميلها أكبر قدر ممكن من اللوم.

وهذا ما يجعل الحقيقة الجزئية أداة سياسية شديدة القوة. فالسياسي لا يحتاج إلى اختلاق واقعة كي يبني رواية مضللة؛ يكفيه أن ينتقي واقعة صحيحة ويضعها في موقع لا تستحقه داخل السلسلة السببية. وعندما تكون الحقيقة المختارة قابلة للإثبات، يصبح من الصعب الاعتراض على الرواية من دون الوقوع في سوء الفهم نفسه: فالمعترض قد يبدو وكأنه ينكر الحقيقة الأصلية، بينما هو في الواقع يعترض على تحويلها من جزء من التفسير إلى التفسير كله.

لذلك فإن مواجهة هذا النوع من الخطاب لا تكون بالضرورة بتقديم «رواية بديلة» أو اختيار متهم بديل. المواجهة المعرفية تبدأ بإعادة بناء السلسلة: ما الذي حدث أولًا؟ وما الذي ترتب عليه؟ وما العوامل التي ضاعفت أثره؟ وأي القرارات كانت شروطًا ضرورية، وأيها كانت عوامل مساعدة، وأيها كانت مجرد نتائج لاحقة؟ وعندما تكون هناك عدة حلقات متداخلة، ينبغي ألا نختزلها في حلقة واحدة لمجرد أنها أكثر ملاءمة سياسيًا.

بهذا المعنى، فإن السؤال الأكثر أهمية في الأزمة اللبنانية ليس «من هو المذنب؟» بقدر ما هو «كيف أصبح هذا الانهيار ممكنًا؟». والسؤال الثاني لا يلغي الأول، بل يجعله أكثر قابلية للإجابة. فمن دون فهم الآلية التي أنتجت الأزمة، تصبح المسؤولية مجرد حكم سياسي؛ أما بعد فهم الآلية، فيمكن عندها فصل المسؤوليات وتحديدها بحسب القرارات والصلاحيات والمخاطر والالتزامات، بدل جمعها كلها في عنوان واحد.

إن الرصانة في تحليل الأزمات لا تعني الدفاع عن طرف أو إدانة طرف، كما لا تعني إخفاء المسؤولية خلف التعقيد. التعقيد ليس عذرًا لعدم اتخاذ موقف، لكنه شرط لفهم الموقف الذي ينبغي اتخاذه. والاقتصاد، مثل السياسة، لا يُفهم باختيار العامل الأكثر وضوحًا، وإنما بإعادة تركيب العلاقات التي أنتجت النتيجة. فإذا كان الخطاب السياسي يطلب منا أن نختار «المذنب»، فإن التفكير المعرفي يطلب منا أولًا أن نفهم النظام الذي جعل الخطأ ممكنًا، والقرار ممكنًا، والاستمرار ممكنًا، ثم الانهيار ممكنًا.

د. بيار الخوري

زر الذهاب إلى الأعلى