الشرق الاوسط والعالمخاص جديدنا

إسبانيا في المرمى الأمريكيّ: قطيعة أم تهديد؟

كتبت جوزفين موسى في جديدنا نيوز

تواجه العلاقات الدبلوماسيّة والتجاريّة العريقة بين واشنطن ومدريد، اختبارًا هو الأكثر تعقيدًا وعمقًا في تاريخها الحديث، وذلك على خلفيّة التصعيد المتواصل بين الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب والحكومة الاسبانيّة برئاسة بيدرو سانشيز. فقد انتقل الخلاف الذي بدأ أساسًا حول الإنفاق الدفاعيّ وموقف مدريد من الحرب على إيران، غلى المجال التجاريّ بعدما أعلن ترامب في تموز الماضي أنّه أمر بفرض حظر تجاريّ شامل على إسبانيا ووصفها بالشريك السيئ، وموجّعًا وزارة الخزانة الأميركيّة إلى إعداد قائمة بالسلع الإسبانيّة التي يمكن أن تشملها إجراءات الحظر.

ويضع هذا التصعيد الحاد بين الحليفَيْن التقليدييّن إشكاليّة سياسيّة واقتصاديّة تتجاوز حدود الخلاف الثنائي: “هل تتّجه العلاقات فعلًا نحو قطيعة إقتصاديّة وسياسيّة ، أم أنّ ما نشهده ليس سوى استخدام أمريكيّ مكثّف للضغط والتهديد بهدف إعادة ضبط شرةط التحالف وفرض مستوى أعلى من الانضباط على الحلفاء الأوروبيّين؟”

وتتمحور هذه الإشكاليّة حول معادلة دقيقة تواجهها الدول الأوروبيّة: كيف يمكنها حماية سيادتها الوطنيّة ومصالحها الاقتصاديّة والأمنيّة المستقلّة، من دون أت تتحوّل الى طرف متمرّد في منظومة أمنيّة تقودها واشنطن؟ وهي معادلة تزداد تعقيدًا في نظام دوليّ متغيّر، تتداخل فيه المصالح الحيويّة للدول مع متطلّبات التحالفات والضغوط التي تمارسها القوى الكبرى.
من الإنفاق الدفاعيّ إلى اختبار الولاء
تتجلّى جذور الصدام في الملفّ الدفاعيّ، حيث بقيت إسبانيا الطرف الأكثر تحفّظًا داخل حلف شمال الأطلسيّ تجاه هدف رفع الإنفاق الدفاعيّ الى 5% من الناتج المحليّ الإجماليّ بحلول العام 2035. وبينما قبلت دول الحلف بهذا الهدف، تمسّكت مدريد بموقفها القائل إنّ مساهمتها في أمن الحلف لا ينبغي أن تقاس بالإنفاق الماليّ وحده، بل بالقدرات العسكريّة التي توفّرها فعليًّا. وقد جعل هذا الموقف إسبانيا في موقع استثنائيّ داخل النقاش الاطلسيّ، وأثار غضب ترمب الذي ينظر الى الإنفاق الدفاعيّ بوصفه أحد المؤشّرات الاساسيّة على تقاسم أعباء الحماية الأميركيّة.
غير أنّ الخلاف لم يبقَ في حدود الأرقام والميزانيّات، بل انتقل الى العصب الأكثر حساسيّة في الاستراتيجيّة الاميركيّة: استخدام الأراضي والمنشآت العسكريّة الإسبانيّة. فقد رفضت مدريد السماح باستخدام القواعد العسكريّة المشتركة، لا سيّما قاعدتي روتا ومورون، في عمليّات هجوميّة اميركيّة ضدّ إيران. ولم تكتف الحكومة الاسبانيّة بهذا الموقف، بل رفضت أيضًا السماح باستخدام مجالها الجويّ في العمليّات المرتبطة بالحرب، انطلاقًا من تمسّكها بأنّ وجود القواعد الأميركيّة على الأراضي الإسبانيّة لا يعني منح واشنطن تفويضًا لاستخدامها في أيّ حرب أو عمليّة هجوميّة لا تحظى بموافقة مدريد. وقد أدّى هذا الموقف الى نقل عدد من الطائرات الأميركيّة من القواعد الإسبانيّة، ما عمّق التوتّر بين الطرفين.

هنا تبدو المسألة أبعد من خلاف حول قاعدة عسكريّة أو عمليّة عابرة، إذ اصطدم مفهومان مختلفان للتحالف: واشنطن التي ترى أنّ الحليف يجب أن يقدّم دعمًا عمليًّا عندما تتعرّض المصالح الأميركيّة للخطر، ومدريد التي تميّز بين الالتزام بالحلف الأطلسيّ وبين المشاركة في حرب هجوميّة تقودها أميركا.

الطاقة: المصالح قبل الاصطفاف
تعمّق الشرخ التجاريّ والسياسيّ بين البلدَيْن بسبب ملفّ الطاقة المعقّد، حيث استمرّت إسبانيا في استيراد كمّيات ضخمة من الغاز الطبيعيّ المسال من روسيا، رغم سياسة العزل والعقوبات المفروضة على موسكو، ممّا جعلها واحدة من كبار مستوردي الوقود الروسيّ في القارّة الأوروبيّة. يكشف هذا السلوك الاقتصاديّ عن واحدة من أكثر المفارقات وضوحًا في السياسة الأوروبيّة: فالدول التي تتبنّى سياسيًّا موقفًا متشدّدًا تجاه روسيا، تجد نفسها مضطرّة في بعض الملفّات إلى إعطاء الأولويّة لأمنها الطاقيّ واستقرار أسواقها الداخليّة.

مدريد: السيادة لا تعني العداء
في المقابل، تدافع إسبانيا عن مواقفها من منظور واقعيّ، يرى أنّه من حقّ الدول حماية مصالح مواطنيها وأمنهم القوميّ بعيداً عن سياسة الاستقطاب الدوليّ الأعمى، معتبرة أنّ بناء علاقات تجاريّة متوازنة مع قوى آسيويّة أو الاستمرار في صفقات الطاقة ،لا يعني بالضرورة معاداة الحليف الأمريكي، أو أصبحت في موقع التحالف مع موسكو، بل هو ممارسة طبيعيّة لحقّ السيادة الوطنيّة في عالم متعدّد الأقطاب.

الاتّحاد الأوروبيّ: عندما تصبح إسبانيا قضيّة أوروبيّة

في خضمّ هذا الصراع، برز الاتّحاد الأوروبيّ كجدار حماية أساسيّ لمدريد، حيث أثار الإجراء الأمريكيّ ردّ فعل حازمٍ وموحّدٍ من بروكسل؛ إذ سارع الاتّحاد إلى التذكير بالقوانين والأنظمة الأوروبيّة التي تمنع أيّ قوّة خارجيّة من استهداف دولة عضو بشكل منفرد في سياساتها التجاريّة. وأكّدت المفوّضيّة الأوروبيّة أنّ السياسة الجمركيّة والتجاريّة هي صلاحيّة حصريّة للاتّحاد الأوروبيّ ككتلة واحدة، وأنّ أيّ حظر على إسبانيا يعدّ هجومًا على السوق الأوروبيّة المشتركة بالكامل، ملوّحة بفرض عقوبات تجاريّة مضادة ورادعة على الصادرات الأمريكيّة الشاملة لحماية سلامة أعضائها. هذا الموقف الجماعيّ لبروكسل نقل الخلاف من مجرّد أزمة ثنائيّة بين واشنطن ومدريد، إلى مواجهة قانونيّة وإقتصاديّة أوسع بين الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ، ممّا شكّل شبكة أمان منعت الاستفراد بإسبانيا، وأجبرت الإدارة الأمريكيّة على مراجعة حساباتها لتفادي حربٍ تجاريّة شاملة مع القارّة العجوز.

إذًا قطيعة أم تهديد؟
تقدّم هذه المعطيات المتشابكة في نهاية المطاف، إجابة واقعيّة ومباشرة تحسم السؤال المطروح حول ما إذا كان ما يحدث قطيعة أم تهديدًا؛ إذ تشير الوقائع إلى أنّ التصعيد الأمريكيّ يظلّ في إطار “التهديد الاستراتيجيّ الصارم” وليس القطيعة النهائيّة. فمن ناحية، يقف جدار الحماية القانونيّ للاتّحاد الأوروبيّ حائلًا دون تنفيذ قطيعة تجاريّة منفردة، ومن ناحية أخرى، أظهرت الدبلوماسيّة الإسبانيّة مرونة واضحة عبر السعي لإبرام صفقات عسكريّة ملياريّة وشراء أسلحة أمريكيّة لامتصاص غضب إدارة ترامب. وتثبت هذه النتيجة أنّ المعركة الراهنة هي معركة حافة الهاوية وضغوط قصوى لإعادة صياغة شروط الولاء، حيث ينتهي التهديد دائمًا بتقديم تنازلات اقتصاديّة ودفاعيّة ذكيّة تجنّب مدريد سيناريو القطيعة، لكنّها في الوقت نفسه تقضم تدريجيًّا من هامش استقلاليّة قرارها السياسيّ لصالح البقاء الآمن تحت مظلّة الحماية الأمريكيّة والالتزام الجماعيّ الأوروبيّ. وهنا تكمن خطورة الأزمة الحقيقيّة: فالمطلوب من إسبانيا لم يعد مجرّد زيادة الإنفاق الدفاعيّ أو التعاون العسكريّ، بل يبدو أنّ السؤال الأعمق هو إلى أيّ مدى تستطيع دولة أوروبيّة عضو في حلف شمال الأطلسيّ أن تقول “لا” لواشنطن دون أن تتحوّل هذه ال”لا” إلى كلفة إقتصاديّة وسياسيّة وأمنيّة؟

إنّ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدّد مستقبل العلاقات الإسبانية-الأميركيّة فحسب، بل قد ترسم أيضًا حدود الاستقلال الاستراتيجيّ الأوروبيّ في السنوات المقبلة. فإن تراجعت إسبانيا تحت وطأة الضغط، ستكون الرسالة أنّ هامش القرار الوطنيّ للحليف الأوروبيّ يتقلّص كلّما تعارض مع الأولوّيات الأميركيّة. وإن تمكّنت من الحفاظ على موقفها، فقد تتحوّل الأزمة الإسبانيّة الى سابقة تؤكّد أنّ التحالف لا يعني التبعيّة.

وعليه، إنّ ما يحصل اليوم ليس قطيعة ولا مجرّد تهديد عابر، بل اختبار حقيقيّ لحدود السيادة داخل التحالف الغربيّ، والرهان ليس على التجارة وحدها إنّما على السؤال:” هل تستطيع أوروبا أن تكون حليفًا للولايات المتّحدة من دون أن تكون تابعًا لها؟”

زر الذهاب إلى الأعلى