اخبار لبنان - Lebanon News

إعادة تعريف “الحزب”: تمهيد للتحوّل المُقبل

علاقة طويلة تجمع بين حزب الله والعقوبات الأميركية، اتخذت أوجهًا متعددة، بدءًا من استهداف الحزب كبنية عسكرية وسياسية، ومن ثم قيادييه وأعضائه، وبعدها بعض الحلفاء السياسيين، وصولًا إلى نشاطاته الاقتصادية والمالية حول العالم، كل هذا كان مبنيًا على فكرة أن انتماء وقرار حزب الله لبناني. أما التطور الجديد فهو اعتبار حزب الله يخدم مصلحة النظام الإيراني، وخاصة الحرس الثوري الإيراني، وهو في الوقت نفسه ذراع إيراني ينشط في لبنان.

إن تغيير هوية حزب الله إلى الإيرانية ممكن أن يكون نتيجة سيطرة ضباط من الحرس الثوري على إعادة بناء هيكلية الوحدات القتالية خلال فترة وقف إطلاق النار بين الحربين. ولكنه في الواقع مرتبط بالمسار الذي بدأ في واشنطن بين الأطراف الثلاثة، إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة الأميركية، باعتبار أن حزب الله هو “العدو” للبنان، وعلى الجميع العمل لإنهاء تأثيره. تأتي هذه العقوبات لتثبت أن حزب الله لا يهتم بالسيادة اللبنانية ولا بمصلحة الشعب اللبناني وبيئته الشيعية، ولا حتى بمستقبل الدولة اللبنانية.

من جهة أخرى، يمكن قراءة إعادة تعريف حزب الله بمثابة الغطاء القانوني للحكومة الأميركية لشن عمليات عسكرية ضده خلال أي حرب مقبلة، خاصة إذا تزامن التصنيف مع تأييد من الدولة اللبنانية من خلال عدم تفاعلها، وهذا من المتوقع أن يحصل. إذا ملف سلاح حزب الله يخرج من إطاره الداخلي، ليصبح جزءًا من معركة دولية لتفكيك نفوذ فيلق القدس من بيروت إلى صنعاء، ومعه يصبح الجيش اللبناني المدعوم أميركيًا في مواجهة مباشرة مع بنية يقول الأميركيون إنها إيرانية وليست لبنانية.

مجدداً يعود الاختبار لمدى فعالية العقوبات في إنهاء المنظمات الإرهابية حول العالم. في مجال حزب الله، إن هذا الحزب، مهما اختلفت تسمياته وانتماءاته، إلا أنه تمكن من بناء شبكة اقتصادية ومالية، بالإضافة لشبكة من العلاقات مع أفراد منتمين أو مؤيدين في مختلف أنحاء العالم، في سبيل تسهيل عمليات الالتفاف على العقوبات الدولية وبناء اقتصاد الكاش واستعمال العملات الرقمية.

كذلك، وبفعل اعتباره النموذج الأنجح لتصدير الثورة الإيرانية، أصبح يستفيد من العمليات الاقتصادية والمالية التي تقوم بها دول مثل الصين وروسيا في سبيل المحافظة على استمرارية محورهم في إلحاق الأذية بالولايات المتحدة، وصولًا لمرحلة تغيير وجهة نظر المجتمعات حول القوة الناعمة الأميركية.

اتخذت مواجهة حزب الله العديد من الأشكال، لكن التقلبات الإقليمية والدولية كانت تمنع تحقيق هدف إنهاء تنظيمه العسكري. تعلم الإدارة الأميركية أن العقوبات الحالية لن تؤثر على حزب الله وعلى علاقته ببيئته الشعبية، لا بل يمكن أن تزيد من الترابط، لذلك يمكن اعتبارها تمهيدًا لعمل ما يُحضّر له، إما عبر ضربات جوية أو عبر إعطاء الدولة اللبنانية الذريعة في طلب الدعم السوري.

مقاربة طريقة تسليم أو نزع سلاح حزب الله لا يمكن أن تمر عبر الداخل اللبناني ولا عبر العقوبات ولا عبر الضربات الإسرائيلية، فالثلاثة كانت أمامهم فرص عديدة طوال العقود الماضية، لكن لأسباب مختلفة لم ينجحوا بتحقيق الهدف.

إن المعالجة الحقيقية يجب أن تتم من باب النظام الإقليمي الذي يتشكل في المنطقة الممتدة من مضيق جبل طارق إلى باكستان والهند. وهنا يأتي تعريف دور حزب الله وكيفية خدمته لأساس هدف الحلف العربي-الإسلامي، أي إيجاد حل نهائي للقضية الفلسطينية.

تعلم جيدًا الدول الخليجية، وتركيا، وباكستان أن أي سقوط للنظام الإيراني واستبداله بنظام مؤيد لإسرائيل هو امتداد للمشروع الإبراهيمي الذي كان أحد أسباب إنشاء اتفاقية مكة الدفاعية. وبالتالي لا مصلحة لهذه الدول في استمرار الحرب وإسقاط النظام، وبالتالي لا مصلحة في إعطاء أريحية لإسرائيل عبر السماح في إنهاء مستنقع حقيقي على حدودها الشمالية. لذلك مصير حزب الله مرتبط بدوره في الحلف العربي-الإسلامي الذي، بكل تأكيد، لن تكون إيران عدوًا له، كونه أولًا منبثقًا من الاستراتيجية التركية، وثانيًا ليس بمقدوره تحمل تكاليف حرب قادمة من الناحية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

زر الذهاب إلى الأعلى