عون في واشنطن… لحظة لبنان

للمرة الأولى منذ عام 2010، يتوجّه رئيس للجمهورية اللبنانية في زيارة رسمية إلى البيت الأبيض، في محطة سياسية ودبلوماسية استثنائية تعكس أهمية المرحلة التي يمر بها لبنان، وحجم الاهتمام الأميركي بمستقبله. ومن هنا، تكتسب الزيارة المرتقبة للرئيس العماد جوزاف عون إلى واشنطن أهمية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، لتتحول إلى محطة مفصلية قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية.
وتأتي الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، وسط تحولات متسارعة يشهدها الشرق الأوسط، وانتقال الاهتمام الدولي إلى تثبيت الاستقرار وإعادة صياغة ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في المنطقة. وفي هذا السياق، يحتل لبنان موقعًا محوريًا، نظرًا إلى ارتباط استقراره بأمن شرق المتوسط، وبالمسار الذي تقوده الولايات المتحدة لتثبيت التهدئة على الحدود الجنوبية، ومواكبة تنفيذ التفاهمات القائمة، بما يحفظ سيادة لبنان وأمنه ويمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة.
ولا تقتصر أهمية الزيارة على رمزيتها السياسية، بل تكمن أيضًا في كونها أول لقاء رسمي بين الرئيس جوزاف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما يمنحها بعدًا استراتيجيًا يعكس رغبة الجانبين في فتح صفحة جديدة من التعاون، وإعادة تفعيل الشراكة اللبنانية–الأميركية في الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية.
ومن المتوقع أن تتصدر المباحثات ملفات أساسية، في مقدمها تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية، واستكمال تنفيذ التفاهمات الأمنية، ودعم الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الشرعية المكلّفة بحماية الوطن والدفاع عن سيادته، إضافة إلى البحث في سبل تعزيز التعاون الأمني والعسكري، بما يرسّخ دور الدولة ومؤسساتها.
وفي موازاة ذلك، سيحضر الملف الاقتصادي بقوة على جدول الأعمال، في ظل حاجة لبنان إلى استعادة ثقة المجتمع الدولي، وجذب الاستثمارات، وتأمين الدعم اللازم لمواكبة الإصلاحات المالية والإدارية والقضائية. ومن شأن أي تقدم في هذا المجال أن يشكّل رسالة إيجابية إلى الأسواق والمؤسسات المالية الدولية، ويعزّز فرص إطلاق مرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي، بعدما أثقلت الأزمات المتراكمة كاهل الدولة والمواطنين.
كما تكتسب الزيارة أهمية خاصة في ظل الانفتاح العربي المتجدد على لبنان، ولا سيما بعد الخطوات الإيجابية التي شهدتها العلاقات مع المملكة العربية السعودية وعدد من الدول الخليجية. ويمنح هذا المناخ الإقليمي لبنان فرصة لإعادة تثبيت موقعه ضمن محيطه العربي، بالتوازي مع تعزيز شراكاته الدولية، بما يساهم في استعادة الثقة السياسية والاقتصادية بقدرة الدولة اللبنانية على النهوض من أزماتها.
ومن المنتظر أن يحمل الرئيس عون إلى واشنطن رؤية ترتكز على مجموعة من الثوابت الوطنية، في مقدمتها ترسيخ سيادة الدولة، وتعزيز دور المؤسسات الشرعية، وتطبيق الدستور، والالتزام بالشرعية الدولية، واعتماد الحوار والدبلوماسية لمعالجة النزاعات، إلى جانب التأكيد أن الاستقرار يشكّل المدخل الأساسي لأي إصلاح اقتصادي أو نهوض تنموي.
وفي المقابل، تمثّل الزيارة فرصة أمام الولايات المتحدة لإعادة تأكيد دعمها للبنان ومؤسساته الشرعية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، ولمواصلة مواكبة مسار الإصلاحات، وتشجيع الاستثمارات، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والتعليم، بما يرسّخ أسس شراكة طويلة الأمد بين البلدين.
ولا تقتصر أهمية هذه الزيارة على ما قد ينتج عنها من مواقف سياسية، بل تكمن أيضًا في الرسائل التي تحملها إلى الداخل والخارج. فهي تؤكد أن لبنان يسعى إلى استعادة حضوره عبر مؤسساته الدستورية، وأن الدبلوماسية باتت الخيار الأساس لمعالجة الملفات الوطنية الكبرى، بعيدًا من منطق المواجهات المفتوحة التي أثقلت البلاد على مدى عقود.
وفي النهاية، لن يُقاس نجاح الزيارة بعدد اللقاءات أو البيانات التي ستصدر عنها، بل بقدرتها على تحويل الاهتمام الدولي بلبنان إلى خطوات عملية تعزّز سيادة الدولة، وتدعم مؤسساتها، وتعيد إطلاق عجلة الاقتصاد، وتكرّس الاستقرار. وإذا نجحت في تحقيق هذا الهدف، فإنها قد تشكّل بداية مرحلة جديدة عنوانها استعادة الثقة بلبنان، وترسيخ موقعه شريكًا فاعلا في محيطه العربي وعلى الساحة الدولية.
جو رحّال – نداء الوطن

