من يحمي شيعة لبنان بعد السلام؟

أي سلام لا يمنح جميع اللبنانيين ضمانات دستورية وسياسية، لن يكون سوى هدنة موقتة.
“السلام لا يدوم لأنه أنهى الحرب، بل لأنه أنشأ نظامًا جديدًا يجعل العودة إلى الحرب أكثر كلفة من استمرار السلام.” هذه الفكرة تكاد تختصر فلسفة هنري كيسنجر في إدارة الصراعات الدولية. أما عالم السلام النرويجي يوهان غالتونغ، فقد ذهب أبعد من ذلك عندما ميّز بين “السلام السلبي”، الذي يعني مجرد غياب القتال، و”السلام الإيجابي”، الذي يعالج الأسباب البنيوية للصراع ويمنع عودته.
ولعل هذا هو السؤال الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم.
فمع التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، والزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن، وما يرافقها من حراك دبلوماسي حول مستقبل الشرق الأوسط، يبدو أن المنطقة لا تقترب فقط من وقف نزاعات طويلة، بل ربما من إعادة رسم منظومة سياسية وأمنية جديدة.
غير أن السؤال الذي يغيب عن معظم النقاشات اللبنانية هو: ماذا سيحدث داخل لبنان إذا تبدلت البيئة الإقليمية التي حكمته طوال العقود الماضية؟
لطالما ارتبطت معادلة القوة في لبنان بالصراع العربي-الإسرائيلي. وإذا انتهت المنطقة إلى ترتيبات جديدة تغيّر طبيعة هذا الصراع، فإن السؤال لن يكون فقط عن مستقبل سلاح “حزب الله”، بل عن مستقبل البيئة السياسية والاجتماعية التي نشأ فيها هذا السلاح، وعن الضمانات التي ستشعر الطائفة الشيعية بأنها لم تفقدها مع تغيّر المشهد الإقليمي.
وهنا تبرز التجربة السورية، لا للمقارنة بين شعبين أو دولتين، بل لاستخلاص درس سياسي.
لقد اعتقد كثير من العلويين أن بقاء نظام الأسد يشكل الضمانة النهائية لوجودهم ودورهم. لكن التجربة أثبتت أن أي جماعة تربط أمنها بنظام أو بمحور إقليمي قد تجد نفسها، عندما تتغير موازين القوى، أمام واقع مختلف تمامًا. ليست القضية في تشابه التجربتين، فلكل بلد ظروفه الخاصة، بل في قاعدة سياسية تكاد تكون ثابتة: لا توجد ضمانة دائمة إلا الدولة، ولا يوجد أمن مستدام إلا في نظام يشعر جميع مكوناته بأنهم شركاء فيه.
من هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا دخل لبنان فعلا مرحلة سلام إقليمي جديدة، فمن سيشكل الضمانة السياسية للشيعة؟
التاريخ اللبناني يقدم ثلاثة نماذج لإعادة إنتاج التوازنات:
عام 1920، وُلد لبنان الكبير برعاية فرنسية مباشرة، عندما كانت باريس القوة الدولية القادرة على رسم الخرائط.
عام 1990، أعاد اتفاق الطائف توزيع السلطة في ظل الوصاية السورية، التي امتلكت القدرة العسكرية والسياسية على فرض التسوية.
عام 2008، أفضى استخدام القوة في الداخل إلى اتفاق الدوحة، لكن ذلك جرى أيضًا في ظل نظام إقليمي كان لا يزال قادرًا على احتواء الانفجار ومنع انهيار الدولة.
أما اليوم، فقد تبدلت كل هذه المعطيات.
لم تعد فرنسا صاحبة القرار في المشرق كما كانت قبل قرن. وسقطت الوصاية السورية بانسحاب جيشها ثم بتغيّر النظام الذي شكّل ركيزتها. كما أن إيران تواجه تحديات تجعل قدرتها على إعادة إنتاج توازنات الماضي موضع نقاش واسع. في المقابل، تتغير أولويات القوى الدولية والإقليمية بصورة متسارعة.
لذلك، إن الرهان على تكرار أي من السيناريوهات السابقة يبدو أقرب إلى استدعاء التاريخ منه إلى قراءة الواقع.
وفي المقابل، فإن أي محاولة لفرض وقائع داخلية بالقوة تحمل مخاطر كبيرة على لبنان بأكمله، لأن الظروف التي كانت تسمح باحتواء الأزمات في السابق لم تعد قائمة، فيما تبدو البيئة الإقليمية أكثر هشاشة وقابلية للتوسع إذا انفجر نزاع داخلي. لذلك فإن الرهان على القوة وحدها، أيًا كان مصدرها، لا يبدو طريقًا واقعيًا لإنتاج استقرار طويل الأمد.
لكن، أيضًا، لا يمكن بناء سلام دائم إذا شعر جزء أساسي من اللبنانيين بأنه خرج من التسوية خاسرًا، أو أنه فقد عناصر الأمان التي اعتقد طوال سنوات أنها تحميه.
وهنا تكمن المعضلة. فالسلام لا يقوم على نزع عناصر القوة من فريق واحد، بل على بناء دولة تصبح هي مصدر القوة الوحيد للجميع.
وهذا ما يفسر نجاح بعض التجارب الدولية وفشل أخرى. فبعد الحرب العالمية الثانية، لم يتحقق الاستقرار الأوروبي بمجرد انتهاء القتال، بل بإعادة بناء نظام سياسي واقتصادي جعل التعاون أكثر فائدة من الصراع. وفي جنوب أفريقيا، لم يتحقق الانتقال السلمي بإقصاء البيض أو السود، بل بصياغة عقد وطني جديد ضمن دولة واحدة. أما في لبنان، فما زالت معظم التسويات منذ الاستقلال وحتى اليوم تقوم على موازين القوى أكثر مما تقوم على بناء مؤسسات قادرة على حماية الجميع.
ولهذا تكتسب أفكار عالم السياسة أرند ليبهارت أهمية خاصة، إذ رأى أن المجتمعات المنقسمة لا تستقر بحكم الأكثرية وحده، بل بضمانات دستورية ومؤسساتية تمنح كل مكوّن شعورًا بأنه شريك في الدولة، لا مجرد طرف ينتظر تبدل موازين القوى.
وربما هنا يكمن المخرج الوحيد. فبدل أن تقود التحولات الإقليمية إلى لحظة يشعر فيها الشيعة بأنهم يخسرون كل ما راكموه خلال العقود الماضية، يمكن تحويلها إلى فرصة تاريخية لإطلاق حوار وطني حول عقد سياسي جديد، يعيد بناء الدولة، ويعالج الاختلالات البنيوية في النظام، ويمنح جميع اللبنانيين ضمانات متبادلة، بحيث تصبح الدولة، لا السلاح ولا الخارج، المرجعية النهائية للأمن والحقوق.
قد يتطلب ذلك إعادة النظر في آليات الحكم، من خلال إعادة توزيع الصلاحيات بين السلطة المركزية والسلطات المحلية، ومنح الوحدات الإدارية المنتخبة صلاحيات فعلية في إدارة شؤونها الاقتصادية والإنمائية والتربوية والثقافية، ضمن إطار دستوري موحد يحفظ سيادة الدولة ووحدة أراضيها واختصاصاتها السيادية في الدفاع والسياسة الخارجية والعملة والقضاء الدستوري. كما يقتضي ترسيخ ضمانات دستورية للمشاركة في صنع القرار الوطني، بما يطمئن مختلف المكونات ويحول دون شعور أي منها بأنها مهددة أو مهمشة، لأن استقرار الدول المتعددة لا يتحقق بغلبة فريق، بل بقيام نظام يوازن بين وحدة الدولة وخصوصيات مكوناتها، ويجعل الشراكة قاعدة للحكم لا مجرد تسوية ظرفية.
لقد أثبت التاريخ أن الجماعات التي تعتقد أن السلاح وحده يحميها تكتشف، عاجلا أم آجلا، أن موازين القوى تتغير. أما الجماعات التي تجعل الدولة ضامنها الأول، فهي وحدها التي تستطيع عبور التحولات بأقل الخسائر.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه اللبنانيون اليوم ليس: من ينتصر في السلام؟ بل: كيف نبني سلامًا لا يشعر فيه أحد بأنه مهزوم؟
فالسلام الذي يحتاج إلى سلاح كي يستمر، ليس سلامًا. والسلام الذي يطمئن طائفة ويقلق أخرى، ليس سلامًا. أما السلام الذي يجعل جميع اللبنانيين يرون في الدولة ضمانتهم الوحيدة، فهو وحده السلام القادر على البقاء.
وعندها فقط، لن يعود السؤال: من يحمي شيعة لبنان بعد السلام؟ بل يصبح السؤال الذي يليق بدولة طبيعية:
كيف تحمي الدولة جميع اللبنانيين بعد أن يصبح السلام خيارهم المشترك، لا مجرد توازن مقت بين القوى؟
د. بولا أبي حنا – نداء الوطن

