شباب لبنان بخطر… تحولات صامتة وأكثر عمقا تعيد صياغة الهوية !

كتب جان زغيب
خلف الاخبار السطحية وما يتم تناوله منذ الخلق حتى اليوم، تبرز تحولات صامتة واكثر عمقا تعيد صياغة الهوية النفسية والاجتماعية لجيل الشباب.
ففي وقت كنا نندب هجرة الادمغة، نشأت في لبنان ظاهرة “الهجرة الافتراضية” بحيث ان الاف المبرمجين والمصممين والمترجمين بقيوا جسديا وهاجروا رقميا من خلال العمل الحر لصالح شركات خارجية لتأمين العيش. وفيما يُعتبر هذا الامر مخرجا للبطالة، تؤكد التقارير انه يخلق واقعا سلبيا في ظل عيش هؤلاء في بيئة متهالكة منفصلين عن محيطهم بعزلة اجتماعية حادة بحيث يتغربون داخل غرفهم على توقيت الخارج.
في نقطة أخرى، وهي تؤثر بشكل مباشر على المجتمع الشبابي، قلبت الازمة اللبنانية معادلة تضحية الاهل من اجل الابناء بعد تبخر التعويضات، الودائع وانهيار الليرة ليجد الشباب الذين هم في العشرين من عمرهم وبشكل مفاجئ بأنهم المعيل الاساسي ويتحملون مسؤوليات عديدة في وقت مبكر. وهذا الامر يسحق طموح الشباب في المغامرة والاستقلال الفردي كما يقضي على شغف الخيارات المهنية والتطور الاكاديمي ويصاب الجيل بأكمله ب “شيخوخة نفسية مبكرة”.
أضف الى ذلك عدم رغبة الشباب بالزواج لعوامل مادية وغياب القروض السكنية والانهيار المالي. عدا عن المتطلبات ومعايير الاختيار بعدما اصبحت المادة تحكم والمظاهر الغبية وتراجع الفكر والثقافة والتقاليد الحميدة.
اما سيكولوجية “صدمة الحاضر”، فهي الحاضر الأبرز اليوم، اذ ان التقارير تظهر الملاهي والمقاهي ممتلئة ويُفسر ذلك على ان اللبناني يعشق الحياة والتحدي ولكن الحقيقة النفسية مغايرة وتُعرف ب “صدمة الحاضر”. وهذا البحث عن “المتعة اللحظية” هو آلية دفاعية يائسة والخروج من الواقع دون معالجته. فالشباب لم يعد يخطط للمستقبل ولا ثقة له باقتصاد ومصارف ودولة كما انه بات مقتنعا بالعيش اللحظي.
اذاً، ان ازمة الشباب ليست ازمة هجرة وفرص عمل ودراسات بالية وانما أزمة تآكل هوية. ان الشباب اللبناني اصبح يخاف من المستقبل وانعدام الأمان في كافة القطاعات ويتخبط بشعارات ومبادئ لم تعد صالحة لهذا الزمن واستئثار فئات سياسية واحزاب بقرارات اودت بالبلاد الى الهاوية.
وتأكيدا على هواجز الشباب، وفي آخر تقرير ناري له، اعتبر صندوق النقد الدولي بتاريخ ١ حزيران ٢٠٢٦ ان لبنان لن يتعافى اقتصاديًا من دون تفكيك منظومة الفساد والزبائنية التي حكمت لبنان لعقود.و يقول التقرير بوضوح إن الأزمة اللبنانية ليست مجرد أزمة سيولة أو ديون أو قطاع مصرفي، بل أزمة “حوكمة دولة”. أي أن أي خطة تعافٍ أو دعم دولي أو استثمارات مستقبلية ستبقى محدودة أو مستحيلة، ما لم تحصل إصلاحات جذرية في بنية الإدارة والرقابة والقضاء والقطاع المالي.
جان زغيب
ناشر ورئيس تحرير
استراتيجي في الاعلام والتواصل


