27.4 C
بيروت
أكتوبر 5, 2022

عناوين الانقسام الداخلي تزداد وتتفاعل يوماً بعد يوم

كتب محمد عبيد في “نداء الوطن”

يقول الإمام السيد موسى الصدر في مقدمة ورقة العمل التي أصدرها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى حول الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بتاريخ 11/5/1977: «إن الوطن بمعناه الحقيقي، ليس أرضاً محددة وحسب، تلتقي عليه طوائف ضمن مناطق متعايشة سلمياً في نوع من الحذر والتحاسد والتمويه، بل هو قبل كل شيء مناخُ استقرار وطمأنينة وثقة في إخاء حقيقي، وحرية مسؤولة وطموح على بساط العدالة الاجتماعية في إطار تكافؤ الفرص للجميع، وفي احترام حضاري للكرامة الإنسانية».

هل يمكن أن نرقى كلبنانيين الى هذا المستوى من الفهم لصيغة تكوين وطننا لبنان؟

سؤال فرضته السجالات المتبادلة بين بعض القوى السياسية على المنابر الإعلامية، وبين مناصريها على وسائل التواصل الاجتماعي حول لبنان الذي قسموه الى لبناناتهم!

قد يمكن تبرير لغة التخاطب بين المناصرين على وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها «فشات خلق» أو منصة للتعبير عن الانفعالات والشعوبية في التفكير، إلا أنه لا يمكن مسامحة بعض خطباء القوى السياسية على الانجرار خلف هذه الانفعالات والشعوبية، في وقت ينحدر فيه الوطن ودولته ومؤسساته ومعها أهله الى الهاوية بفعل الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي والأمني!

وبالتالي فإن اللبنان الذي يتحدث «المتساجلون» عنه يكاد يضمحل بأشكاله كافة، ودولته ذاهبة بسرعة قياسية الى التحلل والفوضى.

والمفارقة أن هذه القوى التي تتساجل تشترك مع بعضها بعضاً حتى يومنا هذا كل مقومات الوطن الواحد، ناهيك عن شراكة مناصريها واللبنانيين جميعاً – ما عدا الفاسدين والمفسدين منهم – في الفقر والحرمان والذل والخسارات المادية والمعنوية كافة.

إن توصيفاً دقيقاً للبنانات المتساجلين التي عرفناها من خلالهم، يقودنا الى أن لبناناتهم هي التي نهب فيها معظمهم أموال الدولة العامة،

وهي التي تحاصصوا فيها السلطة ومؤسساتها وإداراتها،

وهي التي كرسوا فيها الطائفية والمذهبية والإقطاعية السياسية،

وهي التي سطا فيها بعضهم على ودائع اللبنانيين مقيمين ومغتربين،

وهي التي حموا فيها الفاسد والمرتكب، كما حموا العميل والخائن.

وهي التي قمعوا فيها النخب الواعية والطليعية، لصالح شعوبيتهم المقيتة.

وهي التي هجروا منها الشباب والشابات بحثاً عن مستقبل واعد خارجها،

وهي التي تسرب ما يزيد عن 55% من تلامذتها وطلابها من المدارس والجامعات بسبب عدم القدرة على تحمل كلفة التعليم،

وهي التي وقف مواطنوها أذلاء على محطات البنزين والأفران والمصارف والمؤسسات العامة،

وهي التي يريد كل طرف منهم أن يطبعها بصورته وسلوكياته،

وهي التي اصطنعوا فيها التبسم عندما تقابلوا، والتي تكاذبوا فيها حين تحاوروا،

وهي التي اتفقوا فيها على اللبنانيين ولم يتفقوا يوماً من أجل اللبنانيين،

وهي التي لا تشبه لبنان مطلقاً…

إن الوقائع الاقتصادية والمالية والاجتماعية والمعيشية الكارثية كانت تقتضي من الذين نصبوا أنفسهم مسؤولين عن اللبنانيين أن يتحلوا بالحكمة والشجاعة والمسؤولية، بحيث أنه بدل أن يغرقوا في سجالات عقيمة تؤجج الأحقاد الطائفية والمذهبية، كان الأجدى أن يبادروا الى اللقاء للبحث عن مخارج تقود الى وضع آليات عملية لإنقاذ لبنان واللبنانيين. خصوصاً وأن هذه السجالات حول اللبنانات المتعددة توحي بأن «الفيدرالية» بدأت تتحول نفسياً على الأقل أمراً واقعاً، وهو ما تعكسه لغة التخاطب والتعابير والتوصيفات التي تضمنتها، هذه السجالات تعبر عن لبنانين وليس لبناناً واحداً.

ليس في الأمر أي مبالغة، فما يتم تداوله في الصالونات السياسية اللبنانية أو في الغرف الحزبية المغلقة أو حتى في المناسبات الاجتماعية وكذلك على منصات «التباعد» الاجتماعي، يؤشر الى أن الحلول الاقتصادية إن وجِدَت لن تعود كافية لاحتواء الشروخ الاجتماعية والنفسية بين اللبنانيين.

إن الذين يَدّعون حمل المسؤولية يريدون أن يقودوا اللبنانيين المخلصين المتمسكين بالبقاء في أرضهم، الى اليأس من إمكانية إصلاح أوضاعهم وإنقاذ وطنهم، كي تخلو لهم الساحة لتنفيذ مشاريعهم الشخصية أو الطائفية أو الحزبية الضيقة! ولذلك منحوا أنفسهم ومنحوا مناصريهم الحق في أن يسلبوا اللبنانيين زهوتهم بمقاومتهم التي حرروا بها أرضهم وانتصروا بها على عدو لبنان، كما تجرأوا هم ومناصروهم على أن ينغصوا على اللبنانيين فرحتهم بتأهل فريق رياضي لبناني الى مباريات عالمية، أو بفوز فرقة فنية لبنانية في مسابقات دولية، وأخذوا يروجون للمقارنة بين هذه وتلك، وبين سلوك اجتماعي وآخر، وبين طقس ديني وشعيرة. كما أنهم مع مناصريهم لم يتوقفوا عن محاولات فرض سلوكياتهم على سلوك اللبنانيين الاجتماعي، وعلى نمط عيشهم، وعلى عاداتهم وتقاليدهم الموروثة والمستحدثة؟ فاستسهلوا الاعتداء على حرية المواطن الشخصية وعلى حرية الجماعة في ممارسة معتقداتها، الى أن توهموا هم ومناصروهم أن لديهم القدرة على أن يستنسخوا جميع اللبنانيين على شاكلتهم ووفقاً لأهوائهم؟ إن حالة التباعد السياسي الحاد التي تطغى على سلوك الأطراف كافة، إضافة الى تقصد إنكار بعضهم وتجاهلهم وجود أزمات تحتاج الى معالجات جذرية، كذلك تفاقم ظاهرة الانقسام الاجتماعي – الطائفي، كل ذلك صار يهدد وجود الكيان ووحدته وتعايش أبنائه.

وإذا كانت هذه الأزمات على خطورتها لم تدفع اللبنانيين الى التلاقي والحوار حول واقعهم المؤلم ومستقبلهم المجهول، فما الذي يمكن أن يجمعهم؟

وإذا كان الذين يَدّعون حمل المسؤولية لم يبادروا الى العمل مجتمعين للتصدي لتلك الأزمات، فما الذي يمكن أن يوقظ ضميرهم الوطني والأخلاقي والإنساني، هذا إن وجِدَ لدى بعضهم؟

صار من الواضح أن هؤلاء اللاعبين المحليين لديهم قصور سياسي يجعلهم أضعف من أن يجترحوا حلولاً لأزمات اللبنانيين المتشعبة، مما يعني أن لبنان عاد ليقف في آخر صف المنتظرين على قارعة التحولات الإقليمية والدولية التي يمكن أن تكون تداعياتها مخيبة له، أو على الأقل يمكن أن تبقيه في حالة منازعة طويلة.

ولولا الاشتباك السياسي – الإعلامي الذي يدور الآن حول ترسيم الحدود البحرية مع كيان العدو الإسرائيلي بعد التهديدات التي أطلقتها المقاومة، لما كان للبنان موقع على أجندة الاهتمامات الدولية.

إن عناوين الانقسام الداخلي تزداد وتتفاعل يوماً بعد يوم، والقوى السياسية المتناحرة تغذيها من خلال خطابها السياسي والإعلامي، وبانتظار أن يخرج من بين صفوف اللبنانيين من يحمل مشروعاً وطنياً إنقاذياً وخطاباً عاقلاً وحكيماً، أو أن تفرض قوى خارجية إرادتها على اللبنانيين من خلال إنتاج طبقة سياسية جديدة مرفقة بأجندة حلول ولو جزئية وطويلة الأمد لأزمات لبنان، سيبقى لبنان واللبنانيون رهائن لدى هذه الطبقة الحاكمة الغارقة بالفساد والفشل.

(*) قيادي سابق في حركة المحرومين – «أمل»