تطويب البطريرك إلياس الحويّك يضيء قداسة الشهيد الأول للبنان الكبير: الخوري يوسف الحايك

بقلم الأب الدكتور ميشال روحانا الأنطوني
25 تموز 2026
لا يشكّل تطويب البطريرك إلياس الحويّك تكريمًا كنسيًّا لرجل دين عظيم فحسب، ولا احتفاءً وطنيًّا بأحد أبرز الآباء المؤسّسين للبنان الحديث وحسب؛ بل هو إعلان كنسي بأن خدمة الوطن، عندما تنبع من الإيمان وتتحوّل إلى محبّة وبذل وتضحية، يمكن أن تصبح طريقًا حقيقيًّا إلى القداسة.
ففي الخامس والعشرين من تموز 2026، تحتفل الكنيسة في الصرح البطريركي الصيفي في الديمان بإعلان البطريرك إلياس الحويّك طوباويًّا، بعدما أذن البابا لاون الرابع عشر بإصدار المرسوم المتعلّق بالأعجوبة المنسوبة إلى شفاعته. وهو البطريرك الذي خدم شعبه في أحلك مراحل الحكم العثماني والحرب العالمية الأولى، وحمل قضية لبنان إلى مؤتمر السلام سنة 1919، حتى استحق لقب «أب لبنان الكبير». (Causes Anti)
غير أنّ هذا التطويب، فيما يرفع إلى مصاف الطوباويين بطريركًا استحق ذلك اللقب، يدعونا أيضًا إلى الالتفات نحو كاهن لبناني سبقه بالاستشهاد في سبيل تحقيق الحلم الكبير بقيام دولة تحمي مواطنيها: الخوري يوسف (جرجس) سليم الحايك، ابن سنّ الفيل وكاهنها، ومشيّد كنيستها الكبرى، وأول رؤساء بلديتها.
لقد دفعه حبّه وعطفه على خراف المسيح، التي شرّدتها المجازر (1840 – 1860) وأنهكها الخوف حتى باتت وكأنها خراف لا راعي لها، إلى الخروج من حدود الخدمة الكنسية الضيّقة. وبقوة الروح القدس، احتمل مخاطر المطالبة بدولة مستقلة تحمي أبناءها وتصون كرامتهم.
ولم يكن يعني بذلك المسيحيين وحدهم، إذ كانت مسؤوليته البلدية مدنية شاملة، وكان تحت سلطتها سكان مسلمون أيضًا. لقد أراد دولة تحمي جميع مواطنيها، لا محميّة لطائفة ولا امتيازًا لجماعة.
هكذا، قبل إعلان دولة لبنان الكبير بخمس سنوات، قدّم الخوري يوسف الحايك حياته في سبيل الحرية التي سيحمل البطريرك الحويّك قضيتها لاحقًا إلى المحافل الدولية.
لا نقول إن تطويب البطريرك الحويّك يشكّل، من الناحية القانونية الكنسية، إثباتًا تلقائيًّا لقداسة الخوري يوسف الحايك باستشهاده، فالكنيسة تبحث سيرة كل شخص ودعواه بصورة مستقلة. لكننا نقول إن هذا التطويب يضيء نوعًا من القداسة جسّده الخوري الحايك أيضًا: قداسة المحبة التي تخرج من داخل الكنيسة لتخدم شعبها، وقداسة الكهنوت الذي لا ينفصل فيه المذبح عن آلام الناس، وقداسة الروح الوطنية التي تبلغ ذروتها في “بذل الذات” علامة لعظمة الحب.
لقد حمل البطريرك الحويّك قضية لبنان إلى العالم، بعد أن حمل الخوري الحايك صليب لبنان إلى حبل المشنقة ليأتيه المجد من خلالها، وتبعه إليها شهداء السادس من أيار الذين يحاول صانوا تاريخ اليوم تغييبهم من الذاكرة الوطنية الناصعة. عاش الأول ليشهد إعلان الدولة، أما الثاني فقدّم دمه لأجلها قبل أن تولد.
كاهن يبني شعبًا-كنيسة
لم يكن الخوري يوسف الحايك رجل خطب سياسية أو شعارات وطنية مجرّدة، بل كان رجل بناء وخدمة. وتحفظ الذاكرة المحلية أنه كان أول كاهن من أبناء سنّ الفيل، ومشيّد كنيسة سيدة سنّ الفيل الكبرى، وراعيًا عُرف بتفانيه في خدمة رعيته والاهتمام بأبنائها. (ROOTS TV)
والكنيسة التي شيّدها لم تكن مجرّد بناء حجري يجتمع فيه المؤمنون للصلاة. كانت بيت الجماعة ومركز وحدتها، والمكان الذي يتكوّن فيه شعب يحمل إيمانه وذاكرته وآماله وجراحه. ومن هنا، لا يمكن فصل عمله الكهنوتي عن مشروعه الاجتماعي والوطني.
لقد أدرك أن الرعية لا تُبنى بالحجارة وحدها، وأن الإيمان لا يكتمل بالصلوات والطقوس ما لم يتحوّل إلى رعاية للإنسان، وتنظيم للمجتمع، وحماية لكرامة الناس، وسعي إلى الخير العام.
وأدرك أن المحبة المسيحية لا تكتمل ما لم تتحوّل إلى خدمة وتنظيم ومسؤولية تجاه شعبٍ-كنيسةٍ كان لا يزال يعاني جراح مجازر سنة 1860. وكان يوسف الحايك لا يزال طفلًا إبّان تلك المجازر، فنشأ في ظل ذاكرة جماعية مثقلة بالخوف والقتل والتهجير، وظلّت آثارها حاضرة في وعي جيله وفي نظرته إلى دور الكنيسة والكاهن والوطن. فقد خلّفت أحداث سنة 1860 دمارًا واسعًا في جبل لبنان، ودفعت أعدادًا كبيرة من الناجين والمهجّرين إلى الاحتماء ببيروت ومحيطها. (Journals Library Publishing)
غير أن هذا الطفل لم يتحوّل، عندما أصبح كاهنًا، إلى داعية خوف أو انعزال أو انتقام. بل اختار طريقًا آخر: بناء الكنيسة، وتنظيم البلدة، وخدمة الناس، والعمل من أجل حريتهم.
لقد حوّل الذاكرة الجريحة إلى عمل تأسيسي.
لم يواجه الخوف بإقامة الأسوار، بل ببناء الجماعة. ولم يواجه ضعف الإدارة بالتذمّر، بل بالمساهمة في إنشاء البلدية. ولم يحصر كهنوته داخل جدران الكنيسة، بل حمله إلى شؤون الناس اليومية وإلى الدفاع عن حقهم في الحرية والكرامة.
من المذبح إلى البلدية
سنة 1910 تأسست، برعاية فرنسية، أول بلدية في سنّ الفيل، وكانت تُعرف آنذاك باسم «الكومسيون»، وتشمل إدارتها سنّ الفيل والدكوانة وبرج حمود. وقد ترأسها الخوري يوسف الحايك، فجمع في شخصه المسؤوليتين الكهنوتية والمدنية.[1] (Sin El Fil)
لم يكن تولّي كاهن رئاسة البلدية أمرًا غريبًا عن طبيعة المجتمعات المحلية في تلك المرحلة. ففي غياب دولة حديثة مكتملة المؤسسات، كان الكاهن غالبًا أكثر أبناء البلدة اتصالًا بحاجات الناس، وأقدرهم على جمع العائلات حول مشروع مشترك.
إلا أن حالة الخوري يوسف الحايك تتجاوز مجرّد تولّي وظيفة إدارية. فقد جسّد في عمله البلدي فهمًا متكاملًا للرسالة الكهنوتية: فالإنسان الذي يصلّي في الكنيسة هو نفسه المواطن الذي يحتاج إلى طريق ومدرسة وماء وإدارة وعدالة وأمان، وأولًا الكرامة.
لم تكن البلدية في نظره مؤسسة منفصلة عن رعيته، كما لم تكن الكنيسة معزولة عن المجتمع. كان الاثنان في خدمته تعبيرًا عن حقيقة واحدة: أن الإنسان مدعو إلى أن يعيش مؤمنًا وحرًّا وكريمًا في أرضه.
لقد بنى الكنيسة لكي يجتمع الشعب حول الله، وأسهم في بناء البلدية لكي يجتمع المواطنون حول الخير العام. وكانت مسؤوليته تشمل جميع السكان الواقعين في نطاق البلدية، لا المسيحيين منهم وحدهم.
ومن هنا نفهم أن مطالبته بقيام دولة مستقلة لم تكن مطالبة بدولة مسيحية تنغلق على غيرها، بل بدولة عادلة تحمي مواطنيها جميعًا، وتصون حقوقهم وكرامتهم، وتمنع تكرار المجازر والتهجير والفوضى.
طفل المجازر وكاهن الاستقلال
يصعب فهم الموقف الوطني للخوري يوسف الحايك خارج السياق التاريخي الذي تكوّن فيه جيله. فقد أظهرت مجازر سنة 1860 مدى هشاشة الجماعات عندما تغيب الدولة العادلة، وتضعف الحماية القانونية، وتصبح حياة الإنسان رهينة الصراعات الأهلية وتقلّبات السلطات.
نشأ يوسف الحايك على ذاكرة تلك المآسي وعلى قصص العائلات التي فقدت أبناءها وبيوتها. لكنه لم يستخلص منها أن الخلاص يكون بالانتقام من الآخرين، بل بأن تقوم سلطة وطنية مسؤولة تحمي الجميع.
لم يكن يرى في الدولة المستقلة أداة هيمنة لفئة، بل إطارًا يجمع أبناء الوطن ويحرّرهم من الخوف. وكان يعلم، من خبرته البلدية، أن السلطة الحقيقية ليست امتلاكًا للناس، بل مسؤولية تجاههم.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة موقفه التحرّري بوصفه ثمرة وعي تاريخي ورعوي معًا: فالراعي الذي يخاف على خراف سيده لا يكتفي بتضميد جراحها بعد كل هجوم، بل يعمل على إقامة الحظيرة الآمنة التي تحميها.
لا يعني ذلك أن الخوري الحايك كان يحمل مشروعًا دستوريًّا مكتملًا، أو أنه استعمل حرفيًّا تسمية «لبنان الكبير» قبل إعلان الدولة. لكنه كان من أوائل الذين دفعوا حياتهم ثمنًا للمطالبة باستقلال لبنان عن السلطنة العثمانية. وقد جعل هذا الموقف اسمه في طليعة قافلة الشهداء الذين سبق دمهم ولادة الدولة. (ROOTS TV)
الدم الذي سبق الدولة
في أواخر سنة 1914، اعتقلت السلطات العثمانية الخوري يوسف الحايك. وخضع، بحسب الرواية المحلية المحفوظة، لما يقارب ثلاثة أشهر من التعذيب الجسدي والنفسي، قبل صدور حكم الإعدام عليه ونقله إلى دمشق.
وفي 22 آذار 1915، نُفّذ فيه حكم الإعدام في ساحة المرجة، بأمر من جمال باشا، قبل إعدام شهداء السادس من أيار 1916 بنحو أربعة عشر شهرًا. وتذكر بلدية سنّ الفيل أنه كان من أوائل شهداء لبنان الذين أعدمتهم السلطة العثمانية. (Sin El Fil)
وتحفظ الذاكرة الرعوية تفاصيل مؤثرة عن ساعاته الأخيرة. فقد سار إلى المشنقة وهو يرتّل المزمور الخمسين وطلبة العذراء، وتلا قانون الإيمان وفعل الندامة، واقتبل الحلّة الأخيرة، وسامح معدميه كما فعل المسيح، ثم لفظ اسم يسوع مرتين قبل أن يسلم الروح. (ROOTS TV)
وهنا تحديدًا تظهر قداسة شهادته.
فككاهنٍ غار على خراف سيّده المشرَّدة والمنهكة، واجه الموت بالصلاة والغفران والإيمان.
لم يمت حاملًا السلاح، ولم يطلب الانتقام، ولم يحوّل جراح شعبه إلى كراهية للآخرين. سار إلى الموت متمسّكًا بإيمانه، ومسامحًا الذين أعدموه، ومقدّمًا ذاته عن شعبه ووطنه، بحسب ما تحفظه الشهادة المتوارثة عنه.
وكانت وصيته الأخيرة أن يُنقل جثمانه إلى مسقط رأسه سنّ الفيل. وبعد خمس وعشرين سنة، أعيد رفاته إلى بلدته في احتفال مهيب، ليستقر داخل الكنيسة التي شيّدها وخدمها. وهكذا عاد الراعي إلى وسط شعبه، لا بالكلمة هذه المرة، بل بالرفات والشهادة والذكرى. (ROOTS TV)
لماذا «الشهيد الأول للبنان الكبير»؟
أُعدم الخوري يوسف الحايك في 22 آذار 1915، أي قبل شهداء السادس من أيار 1916، وقبل إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920 بأكثر من خمس سنوات.
ومن هنا يأتي وصفه بأنه الشهيد الأول للبنان الكبير.
لا تعني هذه العبارة أنه وضع حدود الدولة التي أُعلنت سنة 1920، أو أنه صاغ نظامها السياسي، أو أنه عرف الصورة النهائية التي سيتخذها الكيان اللبناني. إنها تعني أن دمه سُفك في الطريق التاريخي الذي قاد إلى تحقيق الحلم، إلى استقلال لبنان عن السلطنة العثمانية وقيام دولته.
لقد سبق دمه الخريطة.
وسبق استشهاده الرحلة التي قام بها البطريرك الحويّك إلى مؤتمر السلام في باريس سنة 1919، حيث حمل مطالب اللبنانيين باستقلال وطنهم وتوسيع حدوده خارج نطاق متصرفية جبل لبنان. وأسهمت قيادته لذلك المسار في الوصول إلى إعلان دولة لبنان الكبير سنة 1920. (Eparchy of Saint Maron of Brooklyn)
ذهب البطريرك الحويّك إلى باريس حاملًا مذكرة لبنان ومطالب شعبه ودماء شهدائه من الخوري يوسف، وقافلة السادس من أيار 1916، إبى عشرات الآلاف ممن قضوا جوعا.
أما الخوري يوسف الحايك فذهب إلى ساحة المرجة حاملًا صليبه.
عاد الأول إلى لبنان ليشهد إعلان الدولة.
وعاد الثاني إلى سنّ الفيل رفاتًا، بعدما صار دمه من البذار التي سبقت ولادتها.
الحويّك والحايك: طريقان إلى قداسة وطنية واحدة ضمت في حناياها شهداء السادس من أيار وصلوات وأدعية الأرامل واليتامى والأيامى وكل من صلى ليخلص الله شعبه المكون من الأبرياء كافة، الحالمين بالكرامة والأمان.
واجه البطريرك الحويّك والخوري الحايك السلطة العثمانية، كلٌّ من موقعه وبحسب رسالته.
قاد البطريرك الحويّك الكنيسة المارونية في واحدة من أحلك مراحل تاريخ لبنان. وخلال الحرب العالمية الأولى والمجاعة، وقف إلى جانب شعبه، ثم حمل مطالب اللبنانيين إلى مؤتمر السلام، وأسهم في ولادة دولة لبنان الكبير.
أما الخوري الحايك فكان كاهن بلدة صغيرة، لكن كهنوته الصغير في مقاييس السلطة كان كبيرًا في مقاييس الشهادة. لم تحمه مكانة دولية، ولم تُتح له فرصة الوصول إلى المؤتمرات والعواصم. وصلت إليه يد السلطة الغاشمة، فاعتقلته وعذّبته وأعدمته.
حمل الحويّك قضية لبنان أمام العالم.
وحمل الحايك ألم لبنان إلى منصة الشهداء حيث لا كلام يفي مكانتها.
حوّل الحويّك المحبة إلى إغاثة وقيادة ودبلوماسية.
وحوّل الحايك المحبة إلى رعاية وتنظيم بلدي وبذل للذات حتى الموت.
وفي كليهما أصبحت الوطنية امتدادًا للكهنوت، ولم تصبح بديلًا منه. وفي كليهما خرجت المحبة من الشعور الداخلي لتصير خدمة عملية لشعب يتألّم.
هل حان وقت فتح ملف الخوري يوسف الحايك؟
إن تطويب البطريرك الحويّك لا يعلن تلقائيًّا قداسة الخوري يوسف الحايك، لكنه يجعل السؤال عن قداسته سؤالًا مشروعًا وملحًّا.
فهل حان الوقت لتشكيل لجنة تاريخية وكنسية تجمع الوثائق المتعلقة بحياته؟
هل يمكن البحث في محفوظات الرعية وأبرشية بيروت المارونية وبلدية سنّ الفيل والعائلات المعنية، وفي الوثائق العثمانية وسجلات المحاكم التي أصدرت الحكم عليه؟
هل يمكن توثيق تاريخ ولادته وسيامته الكهنوتية، وخدمته الرعوية، وتشييده الكنيسة، ورئاسته البلدية، وظروف اعتقاله ومحاكمته وإعدامه؟
وهل يمكن التحقق من الروايات المتناقلة عن صلاته الأخيرة، وغفرانه لمعدميه، وتقديم ذاته عن شعبه ووطنه؟
لقب «شهيد الوطن» لا يكفي وحده لإثبات الاستشهاد بالمفهوم القانوني الكنسي. فالاستشهاد في دعاوى القديسين يحتاج إلى التحقق من ظروف القتل ودوافعه وعلاقة الموت بالإيمان وقبول الشخص له بأمانة مسيحية.
لكن هناك أيضًا طرق أخرى تنظر الكنيسة من خلالها في دعاوى القداسة، ومنها بطولة الفضائل أو بذل الحياة حبًّا بالآخرين. ولهذا تستحق سيرة الخوري يوسف الحايك تحقيقًا جادًّا، لا يقوم على الحماسة وحدها، بل على الوثيقة والشهادة والبحث التاريخي والتمييز الكنسي.
إن أول خطوة في طريق إنصافه ليست منحه لقبًا، بل إنقاذ تاريخه من النسيان.
باكورة الدم الذي سبق ولادة الوطن
في يوم تطويب البطريرك إلياس الحويّك، تقف الكنيسة ولبنان أمام رجلين من جيل واحد: بطريرك حمل شعبه في قلبه حتى استحق أن يُدعى أبًا للبنان الكبير، وكاهن حمل شعبه ووطنه إلى المشنقة حتى استحق أن يُدعى الشهيد الأول لذلك اللبنان.
لا نضع الرجلين في منافسة، ولا نقارن بين مكانة بطريرك قاد كنيسة وشعبًا وبين كاهن خدم بلدة ورعية. بل نكتشف في حياتهما تكاملًا عميقًا.
كان لبنان يحتاج إلى من يتكلم باسمه أمام العالم، فكان البطريرك الحويّك.
وكان يحتاج قبل ذلك إلى من يروي بدمه بذرة الحرية، فكان الخوري يوسف الحايك.
كان يحتاج إلى يد تحمل مطالبه وتدافع عن حدوده وحقوقه.
وكان يحتاج إلى دم يقدّس أرضه قبل أن تُرسم تلك الحدود.
إن تطويب البطريرك إلياس الحويّك يؤكد أن الوطنية المبنية على المحبة والعدالة وخدمة الإنسان ليست أمرًا غريبًا عن القداسة، بل يمكن أن تكون واحدة من ثمارها وطرق التعبير عنها.
ومن هذا المنظار، يضيء تطويبه قداسة الخوري يوسف الحايك، الكاهن الذي بنى الكنيسة، وترأس البلدية، وخدم شعبًا-كنيسةً كان لا يزال يحمل جراح مجازر سنة 1860، وطالب بحرية لبنان، ثم سار إلى المشنقة مصلّيًا ومسامحًا ومتمسّكًا بالإيمان.
فإذا كان البطريرك إلياس الحويّك هو أب لبنان الكبير، فإن الخوري يوسف الحايك يستحق أن يُعرف ويُدرس ويُكرّم بوصفه:
الشهيد الأول للبنان الكبير، وباكورة الدم الذي سبق ولادة الوطن.

