في لبنان: أخذ بثأره بعد أربعين سنة

كتب رامي نصار في موقع mtv:
في الأمس عمل ثأريّ جديد، أعقب عملاً ثأريّاً آخر. دمٌ يجرّ دماً.
تطوّر مفهوم العشيرة في لبنان مع تحول الشكل العصبي العشائري من شكله التاريخي الى شكل آخر لم يتبلور بعد. ومن الناحية السياسية، دأب زعماء العشائر في لبنان على خوض غمار الحياة السياسيّة عبر ممثلين لها في الادارات المتعاقبة، بينما تربّع أحد أركانها صبري حمادة زمناً طويلاً على سدّة رئاسة مجلس النواب.
ابتعدت العشائر اللبنانية اليوم عن المفهوم الحقيقي للمصطلح، فهي بالإجمال مخترقة من قبل الأحزاب بفعل تعدديّة الرؤوس ضمن العشيرة الواحدة مع تعويم الزعماء من ذوي الإرتباط الوثيق بها. أدى ذلك إلى تغليب الإنتماء الحزبي على الإنتماء العشائري وبالتالي تفرقة الصفوف من جهة، وانتقال السلطة والنفوذ من الوجهاء والمرجعيات التاريخية الى حزبيّي العشيرة من جهة أخرى.
ويدخل الثأر في صلب العادات والتقاليد العشائرية الموروثة منذ العصور الجاهلية دفاعًا عن الحرمات وحفظًا للكرامة كتكريس للقوّة والحضور المشرّف، ولكل عشيرة قوانينها وأحكامها في الثأر. يشرح علي صبري حماده لموقع mtv: “يجد مفهوم الثأر جذوره بعيداً في التاريخ، كحلٍّ اجتماعي ابتدعته القبائل والعشائر في ظل غياب حكم القانون للحدّ من سفك الدماء، لا العكس. بالفعل، فهو يحمل الفرد على التنبّه الى تداعيات أفعاله التي وإن لم تصبه مباشرةً، قد تطاول حتماً أحد أفراد عائلته”.
للثأر عند العشائر أشكال عدّة تتطوّر مع تطوّر العادات المجتمعيّة، أبرزها قتل المرتكب أو أحد أنسبائه، الأمر الذي يمكن الإستعاضة عنه بالمصاهرة الالزاميّة بين العشائر المعنيّة على أن تكون النساء من عشيرة المرتكب كون صلة القربى تطمس العداوة الناشئة (لكن لم يعد ذلك متداولاً في أيامنا هذه)، أو الاكتفاء بعنصر التعويض المادي، أو النفي…
تعيش العشائر اليوم، وفقاً لحماده، “في مجتمع هجين، تحكمه قوانين الدولة من جهة، والأعراف العشائريّة من جهة أخرى، ما أسفر عن حلول هجينة كمثل تسليم عائلة المرتكب ايّاه للسلطات الرسميّة بشروط عشائريّة، وفق بروتوكول معيّن يقضي بالمقابل بتنازل العائلة المتضرّرة عن جزء من حقها كبادرة حسن نية. في ذلك تطور بارز أصاب الظروف المحيطة بعملية الثأر، فبعد أن كانت قديماً عشيرة المرتكب برمّتها محط اتهام، أدى وجود الدولة ومعها سلطة القانون الى حصر الادانة بالفخذ أو عائلة المرتكب المباشرة”.
تختلف، وفق التقاليد، طريقة فضّ النزاعات بين المتخاصمين، وكل إشكال له حلّه باستثناء “العرض” الذي يقابله الدم، أما أمور أخرى كالخلاف على المرور والحدود فإنّ حلّها بسيط. وقد جرت العادة لفضّ النزاعات، أن تُعقد المصالحة بين زعماء العشائر المعنيّة، على أن تُسلَّم لجان خاصّة منبثقة عن العائلات المعروفة زمام المصالحة بناءً على عامل الثقة ويكون حكمها مبرماً ملزماً للجهات المعنية. أما اليوم فسلبت الأحزاب هذا الدور، بحيث سيطرت على لجان المصالحة مع التغاضي الكامل عن فكرة تفويضها ارادياً من قبل الجهات المتنازعة؛ وأمست عملية الصلح أشبه بـ “مسايرة وتبويس لحى” على حد تعبير حمادة. من شأن الأساليب المستجدة تلك طمس مشاعر الثأر المستعرة موقتاً الى حين انفجارها من جديد عند أول مطب بدلاً من تصفية النيّات، وهذا ما جعل غالبية محاولات الصلح في السنوات الأخيرة تبوء بالفشل.
أما بالنسبة الى ما تشهده بعض المناطق من فوضى عارمة واستخدام عشوائي للسلاح المتفلت على خلفيات ثأرية، فهي وفق علي حماده “بعيدة كل البعد عن مفهوم الثأر الصحيح، كونها تأخذ شكل العراضات التي قد تصيب أبرياء وتفاقم صعوبة التوصل الى حل نهائي”.
وهكذا، كلّما ازدحمت أجواء احدى المناطق اللبنانية بطلقات رصاص متبادلة، وقضت أرواح بريئة من جراء عمليات على خلفية ثأرية، تعود الى الواجهة أسئلة تتمحور حول دور الدولة وأهمية بسط سيادتها وقوانينها على كامل أراضيها. تبقى الخشية الأساسيّة من أن يتّسع الفراغ المترتّب على غياب الدولة، لأنّهإذا كان “البدوي قد أخذ بثأره بعد أربعين سنة وقال بكّرت”، فما بالكم بالمواطن بعد ثلاثين سنة؟
لعلّ الفيديو المرفق، بمثابة دليل على ما سبق، وهو من عمليّة الثأر التي شهد عليها لبنان أمس.
