ماذا تبني إسرائيل في جنوب لبنان؟

خاص جديدُنا
لم يعد المشهد في الجنوب يُختصر بالغارات والتو
غل والهدم. على الأرض، تتحصّن قواعد، وتُشق طرق عسكرية، وتظهر نقاط جديدة، وتتبدل ملامح المكان.
السؤال: إذا كانت المفاوضات تبحث في انسحاب إسرائيل، فلماذا تستثمر في بنية عسكرية جديدة داخل
الجنوب؟
من 5 مواقع إلى 8 قواعد محصنة
بحسب معلومات أكدتها «اليونيفيل»، توجد اليوم 8 مواقع إسرائيلية محصنة في جنوب لبنان: خمسة منها تعود إلى ما بعد حرب 2024 وبداية 2025، وثلاثة أُضيفت بعد تجدد القتال في آذار 2026، في الخيام ومارون الراس وميس الجبل.
وإلى جانبها، رصدت القوة الدولية نحو 20 موقعاً آخر ينشط فيها جنود إسرائيليون، من دون وضوح ما إذا كان وجودهم فيها دائماً أو مؤقتاً.
أي أننا أمام انتشار موزع على عشرات النقاط، لا ثماني فقط.
ما الذي يُبنى فعلاً؟
التحصينات المرصودة تشمل سواتر ترابية
ومنشآت مراقبة وطرق وصول. وبحسب تحليل حديث لصور الأقمار الصناعية، أُقيمت أكبر القواعد الجديدة في موقع معتقل الخيام السابق، على بعد نحو 5 كيلومترات من الخط الأزرق.
أما في ميس الجبل ومارون الراس، فترافق البناء مع عمليات هدم وتغيير في طبيعة المحيط.
القاعدة قد تكون مؤقتة. لكن حين تُحصّن وتُربط بطرق وسواتر ونقاط مراقبة، يصبح السؤال عن مدة البقاء مشروعاً.
شبكة طرق تربط المواقع
في الأول من تشرين الثاني، أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن القوات الإسرائيلية تواصل شق طرق عبر الجبال والأودية لربط مواقعها العسكرية.
وتشمل الأعمال مناطق في نطاق عيتا الشعب ومارون الراس وبنت جبيل وعيترون في القطاع الأوسط، والناقورة ويارين والضهيرة ومروحين وعلما الشعب في القطاع الغربي.
ويقدّر تحليل لصور الأقمار الصناعية طول
شبكة الطرق العسكرية الجديدة بنحو 32 كيلومتراً.
والطريق العسكري ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لربط النقاط وتسهيل حركة القوات والآليات والإمدادات بينها.
حدود غير ثابتة
الأكثر حساسية من عدد المواقع هو المساحة التي تعمل فيها القوات.
تحقيقات ميدانية سابقة أظهرت أن إسرائيل وسّعت تدريجياً ما تعتبره منطقة أمنية، وتجاوزت في بعض المناطق «الخط الأصفر» الذي رسمته بنفسها.
وفي أيلول، قال رئيس بلدية كفرشوبا إن السكان لم يعودوا يعرفون أين أصبح الخط. وقرب دير ميماس، اضطرت نقطة للجيش اللبناني إلى التراجع بعد إلقاء القوات الإسرائيلية قنابل صوتية في محيطها، في مثال على الاحتكاك المباشر الذي قد يولّده تحرك الخطوط على الأرض.
الهدم جزء من الصورة
عمليات الهدم والتجريف مستمرة أيضاً وحين تُهدم المنازل، وتتغير الطرق، وتُشق مسارات عسكرية جديد
ة، ويُمنع السكان من العودة إلى أجزاء من المنطقة، يصبح السؤال أبعد من انتشار عسكري آني، ليطال شكل المنطقة نفسها بعد انتهاء القتال.
المفارقة: بناء في الميدان وانسحاب على الطاولة
محادثات تامبا العسكرية والتقنية في 20 و21 تشرين الأول انتهت من دون اختراق معلن أو بيان مشترك، فيما بقي الانسحاب الإسرائيلي وسلاح حزب الله بين الملفات الأساسية العالقة.
هنا تظهر المفارقة:
السياسة تبحث في الانسحاب، فيما الميدان يشهد مزيداً من التحصين.
وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد أعلن في آب أنه وجّه الجيش للاستعداد لـ«حضور طويل الأمد»، فيما أكدت الخارجية الأميركية أن وجوداً عسكرياً إسرائيلياً دائماً في الجنوب لا يتوافق مع الالتزامات المتفق عليها.
ماذا يعني ذلك؟
القواعد والطرق وحدها لا تكفي للجزم بأن إسرائيل اتخذت قراراً نهائياً بال
ب الإمداد والحركة في منطقة لا تزال تشهد عمليات عسكرية.
لكن حجم البنية التي تتشكل يفتح سيناريو آخر: أن تعمل إسرائيل على تثبيت واقع ميداني قوي قبل أي تسوية، بحيث تبدأ المفاوضات المقبلة من خريطة مختلفة عمّا كانت عليه قبل الحرب.
عندها تصبح الأرض نفسها ورقة تفاوض، وكل قاعدة أو طريق أو نقطة متقدمة موقعاً يمكن التفاوض لاحقاً على الانسحاب منه مقابل ترتيبات أمنية أو عسكرية.
هذا تحليل، وليس معلومة مثبتة عن النية الإسرائيلية النهائية.
ماذا يجب أن نراقب؟
المؤشر الأهم في المرحلة المقبلة لن يكون عدد الغارات وحده، بل ما إذا كانت هذه البنية ستستمر في التوسع.
هل تظهر قواعد إضافية؟ هل تمتد شبكة الطرق؟ هل تتحول المواقع المؤقتة إلى منشآت أكثر ثباتاً؟ وهل يبدأ انسحاب فعلي من أي منها نتيجة المفاوضات؟
فالفارق كبير بين جيش ينتشر خلال حرب وجيش يبني ما يساعده على البقاء بعدها.
ومن هنا السؤال الحقيقي:
هل تتحصن إسرائيل لحماية وجود مؤقت حتى الوصول إلى اتفاق؟
أم أنها ت
رسم على الأرض الخريطة التي تريد أن تبدأ منها أي مفاوضات مقبلة على الانسحاب؟
جديدُنا | ما وراء الخبر

