الشرق الاوسط والعالم

نهاية عهد دونالد ترامب… أميركا أمام اختبار أخطر من الانتخابات!

يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أخطر اختبار سياسي منذ عودته إلى البيت الأبيض، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 3 تشرين الثاني، وسط تراجع حاد في شعبيته، واحتمال خسارة الجمهوريين سيطرتهم على مجلس النواب وربما مجلس الشيوخ أيضاً. لكن السؤال الذي يشغل واشنطن يتجاوز نتائج الانتخابات إلى مصير العامين الأخيرين من ولايته: هل يتحوّل ترامب إلى رئيس مقيّد الصلاحيات سياسياً، أم يردّ على خسارته بمواجهة داخلية وتصعيد خارجي قد يغيّران مسار الولايات المتحدة؟

في تحقيق تحليلي موسّع نشرته صحيفة “فايننشال تايمز”، يكشف الصحافي إدوارد لوس، استناداً إلى مقابلات مع مسؤولين حاليين وسابقين وشخصيات جمهورية وديمقراطية وخبراء دستوريين، عن تصاعد القلق من المرحلة المقبلة، في ظل تراجع نفوذ ترامب وتزايد احتمالات الصدام بين البيت الأبيض والكونغرس.

ويشير التقرير إلى أن مزاج ترامب تغيّر بصورة ملحوظة منذ أواخر الصيف، حتى إنه توقف عن الرد على اتصالات معظم الصحافيين. ونقل عن شخصية بارزة في محيطه وصفها الرئيس بأنه في مزاج سيئ، بعدما كان يتحدث بثقة مطلقة عن نجاح الحرب الأميركية ضد إيران.

فالحرب التي قدّمها ترامب باعتبارها انتصاراً عسكرياً كبيراً لم تحقق النتائج السياسية التي روّج لها، بحسب تحليل الصحيفة. إذ استمرت الهجمات بالصواريخ والمسيّرات، وبقي نحو 1000 رطل من اليورانيوم الإيراني المخصّب داخل إيران، فيما واصلت أسعار الديزل ارتفاعها، وتراجعت شعبية الرئيس بالتزامن مع تدهور فرص الجمهوريين الانتخابية.

وتتراوح نسبة تأييد ترامب، وفق استطلاعات أوردها التقرير، بين 27% و38%، وهي مستويات أدنى حتى من بعض أسوأ مراحل ولايته الأولى خلال جائحة كورونا.

ويقول الحاكم الجمهوري السابق لنيوجيرسي كريس كريستي إن خسارة الكونغرس قد لا تجعل ترامب مجرد رئيس ضعيف سياسياً، بل ربما تحوّله إلى رئيس أكثر غضباً وتصادماً، محذّراً مما وصفه بالمجهول الترامبي.

أما الخبير الدستوري في جامعة هارفارد لاري ترايب، فيعتبر أن ترامب لا يعترف عملياً إلا بنوعين من الانتخابات: انتخابات يفوز بها، وأخرى يعتبر أنها سُرقت منه.

ويعرض التقرير 3 مراحل محتملة للتدخل في المسار الانتخابي، وفق إيان باسن، رئيس منظمة “حماية الديمقراطية”: التضليل، والتعطيل، ثم إنكار النتائج.

لكن الأخطر يتمثل في سيناريو دستوري قد يبدأ في 3 كانون الثاني، إذا حاول رئيس مجلس النواب مايك جونسون تعطيل تثبيت فوز أعضاء ديمقراطيين أو منعهم من أداء اليمين، بما يؤثر في الأكثرية البرلمانية. ويشير التقرير إلى أن مثل هذه الخطوة قد تدفع الولايات المتحدة إلى أزمة دستورية، رغم العقبات القانونية والمؤسساتية التي تواجه محاولات التدخل بالانتخابات.

وفي المقابل، يلفت إلى أن المحاكم أوقفت عدداً من تحركات إدارة ترامب المتعلقة بالإجراءات الانتخابية، وأن 30 ولاية رفضت تسليم سجلات ناخبيها إلى وزارة العدل، مع صدور 27 حكماً قضائياً لمصلحتها حتى إعداد التقرير.

وتكشف “فايننشال تايمز” أيضاً عن تراجع الحماسة داخل القاعدة الجمهورية، إذ ينقل التقرير عن ستيف بانون، أحد أبرز منظّري حركة “أميركا أولاً”، أن شبكة المتبرعين الصغار التي شكّلت ركناً أساسياً في قوة ترامب الانتخابية تبددت إلى حد كبير، ما جعل الجمهوريين أكثر اعتماداً على تمويل كبار رجال التكنولوجيا.

وتبرز في هذا السياق معركة مجلس الشيوخ في تكساس، حيث يواجه المرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو حملة سياسية وإعلامية شرسة، شارك فيها إيلون ماسك، الذي أنفق، وفق التقرير، نحو 200 مليون دولار في محاولة لإلحاق الهزيمة به.

أما داخلياً، فتستعد المعارضة الديمقراطية، في حال استعادة مجلس النواب، لفتح ملفات واسعة تتعلق بشبهات الفساد وتضارب المصالح المرتبطة بترامب وعائلته، بما فيها الطائرة القطرية، والمشاريع المرتبطة بالعملات المشفّرة، والهدايا الأجنبية والتبرعات المقدّمة لمشاريعه.

وينقل التقرير عن زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز عزمه إعطاء الأولوية للتحقيقات في شبهات الفساد المرتبطة بترامب. غير أن قدرة الكونغرس على تحويل هذه التحقيقات إلى ملاحقات قضائية ستبقى محدودة، خصوصاً مع استمرار سيطرة حلفاء الرئيس على وزارة العدل.

ومن الوقائع اللافتة أن 60% من الأميركيين الذين شملهم استطلاع لشبكة “فوكس نيوز” أعربوا عن قلق بالغ من الفساد الحكومي، في مؤشر إلى تحوّل هذه القضية إلى عامل أساسي في المزاج الانتخابي.

غير أن التداعيات الأشد خطورة قد تظهر خارج الحدود الأميركية.

فبحسب السيناتور الديمقراطي كريس كونز، هناك خشية من أن تتحوّل السياسة الخارجية إلى المجال الذي يعوّض فيه ترامب تراجع سلطته الداخلية، عبر مزيد من المغامرات الدولية إذا خسر الكونغرس.

ويكتسب هذا التحذير أهمية خاصة في ضوء استمرار المواجهة مع إيران، واحتمال رفض كونغرس ديمقراطي تمويل الحرب بصورة مفتوحة، فضلاً عن تعقيد إقرار طلب ترامب رفع الموازنة الدفاعية الأميركية إلى 1.5 تريليون دولار.

ويطرح التقرير احتمال إقالة وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي يحمّله بعض الجمهوريين مسؤولية أساسية عن الإخفاقات المرتبطة بإدارة الحرب الإيرانية.

وفي كشف لافت، تنقل الصحيفة عن مسؤول سابق رفيع في إدارة ترامب أن الرئيس الأميركي حاول عام 2025 فتح قناة حوار مباشر مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، وأنه اختصر مشاركته في قمة مجموعة السبع بكندا منتظراً رداً من طهران، لكنه لم يتلقَّ الاتصال المنتظر. وبعد أيام، نفّذت الولايات المتحدة عملية “مطرقة منتصف الليل” ضد إيران.

أما في الملف الصيني، فيتوقع التقرير استمرار التقارب الشخصي بين ترامب والرئيس شي جين بينغ، مع التحضير لاجتماعين إضافيين قبل نهاية العام، في حين يثير ميل ترامب نحو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اعتراضات متزايدة داخل الحزب الجمهوري.

ويشير خصوصاً إلى الجدل حول احتمال عقد محادثات ثلاثية بين ترامب وبوتين وشي بشأن أوكرانيا، من دون مشاركة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ما يثير مخاوف بشأن مستقبل كييف في أي تسوية محتملة.

وفي موازاة هذه التطورات، بدأت معركة خلافة ترامب لعام 2028 تلوح في الأفق، خصوصاً بين نائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، اللذين قد يدفعان ثمن ارتباطهما السياسي بالرئيس إذا تعرّض الجمهوريون لهزيمة كبيرة.

لكن المفارقة، وفق التحليل، أن ترامب لا يُظهر اهتماماً جدياً بتحديد خليفته، فيما يرى بانون أنه لا يستعد أصلاً لتسليم زعامة الحركة السياسية التي بناها.

ويخلص تقرير “فايننشال تايمز” إلى أن خسارة ترامب للكونغرس لن تعني بالضرورة نهاية نفوذه، بل قد تفتح مرحلة أكثر اضطراباً في واشنطن، تتداخل فيها التحقيقات القضائية والصدامات الدستورية مع احتمالات التصعيد العسكري في الخارج.

وبين حرب إيران، وتراجع الشعبية، والانقسام الجمهوري، واحتمال استعادة الديمقراطيين للكونغرس، تبدو الانتخابات المقبلة نقطة تحوّل حاسمة في عهد ترامب.

فالمعركة لم تعد فقط على من يسيطر على الكونغرس، بل على كيفية ممارسة السلطة خلال العامين المتبقيين من رئاسته، وما إذا كانت الولايات المتحدة تتجه نحو انتقال تدريجي إلى مرحلة ما بعد ترامب، أم نحو مواجهة سياسية ودستورية تجعل نهاية عهده أكثر اضطراباً من بدايته.

زر الذهاب إلى الأعلى