مؤتمر دعم الجيش مشروط بمسار سياسي وأمني…هل يُعقد؟

في ظل مساعٍ دولية متجددة لتعزيز دور الدولة اللبنانية واستعادة سيادتها الكاملة، أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التأكيد على التزام باريس دعم لبنان، معلناً عقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني بعد الانتخابات التشريعية الإسرائيلية.
وقال ماكرون، للصحافيين في العاصمة القطرية: “سنُنسق أيضاً لدعم الجيش اللبناني، وستعقد فرنسا مؤتمراً، في الأسابيع المقبلة… أعتقد أنه من غير المُجدي القيام بذلك قبل الانتخابات الإسرائيلية”.
ويأتي هذا التوجه في سياق الجهود الرامية إلى مواكبة تنفيذ التفاهمات الأمنية في الجنوب، ولا سيما ما يتعلق بانسحاب القوات الإسرائيلية وانتشار الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية، وسط استمرار الخلاف حول ملف سلاح حزب الله ومستقبل الترتيبات الأمنية بعد انتهاء ولاية قوات “اليونيفيل” أواخر عام 2026.
وتراهن فرنسا، بالتنسيق مع شركائها الدوليين والعرب، على تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية اللبنانية باعتبارها الركيزة الأساسية لاستعادة الدولة سلطتها وترسيخ الاستقرار في مرحلة دقيقة تشهدها البلاد. فهل يعقد المؤتمر وماذا يمكن ان يحقق بعدما لم يفض الأجتماع التحضيري الذي عقد في باريس في ايلول الماضي الى اي نتيجة توازي حجم التطلعات اللبنانية؟
العميد الركن فادي داود يقول لـ”المركزية”: “لم ينعقد المؤتمر الدولي الخاص بدعم لبنان الذي أعلن عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في كانون الثاني الماضي، وكان من المقرر عقده في باريس في 5 آذار، فيما لم تعلن السلطات الفرنسية رسمياً حتى الآن أي موعد جديد له. وبدلاً من ذلك، استضافت باريس في 17 أيلول اجتماعاً تحضيرياً في قصر الإنفاليد، افتتحه ماكرون إلى جانب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وملك الاردن عبدالله الثاني. لم يكن الاجتماع بمثابة مؤتمر مانحين، إذ لم يُنتظر منه الإعلان عن مساعدات مالية كبيرة، بل خُصص لتحديد احتياجات الجيش اللبناني وقوى الأمن وتنسيق جهود الشركاء الدوليين في دعم المؤسستين العسكريتين والأمنيتين. كما تطرق إلى ملف الجنوب، ولا سيما شكل الدعم والوجود الدولي بعد انتهاء مهمة قوات “اليونيفيل”.
ويتابع داود: “في ختام الاجتماع، تقرر عقد لقاء متابعة في نهاية العام لعرض حصيلة ما تحقق من خطوات وإجراءات. غير أن المسار المالي الواسع لا يزال يواجه عقبة سياسية أساسية، تتمثل في ربط أي مؤتمر مانحين بتنفيذ مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، في ظل تحفظات عربية وغربية على تقديم دعم كبير قبل اتخاذ قرار سياسي حاسم في هذا الملف. وعليه، يبدو أن باريس تتجه إلى إطلاق مسار تدريجي وطويل الأمد لدعم المؤسسات الأمنية اللبنانية، لا إلى تنظيم حدث دولي واحد ذي نتائج فورية، فيما يبقى حجم التمويل الفعلي مرتبطاً بما يُنفذ على الأرض من إجراءات وخطوات عملية”.
وعن إعلان ماكرون عن عقد المؤتمر يجيب داود: “يرتبط الدعم الدولي للجيش بالروزنامة السياسية الإسرائيلية أكثر مما يرتبط بحاجاته الفعلية على الأرض.
فالمؤتمر الذي كان مقرراً في 5 آذار شهد سلسلة متواصلة من التأجيلات، بدءاً من إعادة الجدولة التي أعلنها الرئيس ماكرون في نيسان، مروراً باقتراح عقد اجتماع تحضيري في أيلول، وصولاً إلى ترحيله مجدداً إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، في ما يشبه التأجيل الرابع للمحطة نفسها”.
ويضيف: “يعكس هذا المسار حسابات سياسية واضحة لدى باريس، التي تبدو حريصة على تجنب إطلاق مؤتمر قد يُستثمر في الحملة الانتخابية الإسرائيلية أو يتعارض مع مسار المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية.
غير أن هذا الواقع يثير تساؤلات حول حدود الدور الفرنسي وقدرته على التأثير في الملف اللبناني، إذ يبقى السؤال مطروحاً: هل تنجح فرنسا في كسر الهيمنة الأميركية على هذا الملف، أم تبقى كلمة السرّ في يد واشنطن؟
إلى ذلك، لا يقتصر المؤتمر على البعد المالي فحسب، بل يرتبط أيضاً بملف حصر السلاح، فيما تعمل باريس على تأمين التزام سعودي بالمشاركة في التمويل، ما يجعل أي دعم محتمل مشروطاً بتقدم المسار السياسي والأمني.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو عبارة “في الأسابيع المقبلة” فضفاضة وقابلة للتأويل، في وقت يُطالَب فيه الجيش اللبناني بتوسيع دوره في الجنوب والمساهمة في تنفيذ متطلبات حصر السلاح من دون حصوله على موارد فورية. لذلك، من الحكمة التعامل مع المؤتمر باعتباره مساراً سياسياً طويل الأمد أكثر منه استحقاقاً تمويلياً وشيكاً”.
يولا هاشم-المركزية

