موازنة الردع ومجتمع الغضب: فرنسا أمام فاتورة العسكرة

كتب د بيار الخوري:
بدأت القصة في ثانوية واحدة. في أيلول اضرب٢٠٢٦
أساتذة ثانوية سانت إكزوبيري في كريتاي احتجاجًا على نقص الموارد، فخرج تلامذتها بعد أيام يطالبون بثانوية تعمل: أستاذ يُستبدل حين يغيب، وصف لا يتجاوز اثنين وثلاثين تلميذًا، وقاعات لا تبلغ حرارتها أربعين درجة.
خلال أسبوعين طالت الاضطرابات أكثر من ألف ثانوية، وبلغ عدد الموقوفين 5060، أكثر من ثمانين في المئة منهم قاصرون. فقد فتى بصره في تور، وفقد آخر يده في لانس بقنبلة صوتية، واحترقت أبواب مدارس وأُصيب مديرون وشرطيون. ثم التحقت «السترات الصفراء» في السابع عشر من تشرين الأول احتجاجًا على غلاء المحروقات، فخرج ما بين 550 و800 ألف متظاهر.
السؤال: لماذا انفجرت فرنسا من صفوفها المدرسية أولًا؟ المطالب ليست جديدة. ففي خريف 1990 خرج تلامذة الضواحي بالمطالب نفسها، فردّت الدولة بخطة طوارئ ورفعت موازنة التعليم. الفارق أن الدولة آنذاك كانت تملك ما توزعه، وأوروبا على أعتاب عائد السلام. أما اليوم فالعائد انقلب كلفة.
ولحركة 2026 جغرافيا انتفاضات الضواحي في 2005 و2023، ومط
لب «السترات الصفراء» في 2018. إنها نقطة التقاء ثلاثة روافد كانت تتحرك منفصلة: المدرسة، والضواحي، والأطراف المتضررة من كلفة الطاقة.
ونقطة الالتقاء وثيقة واحدة: موازنة 2027. فكلفة فوائد الدين ترتفع 9.4 مليارات يورو، والإنفاق الدفاعي يزيد 6.4 مليارات وفق قانون البرمجة العسكرية، فيما لا تزيد موازنات الوزارات المدنية مجتمعة إلا 1.5 مليار، في موازنة تستهدف توفير 54 مليارًا عبر تجميد الرواتب والتقديمات. الدفاع ليس مصدر العجز الفرنسي؛ فالمعاشات تستهلك ثمانية أضعاف ما يستهلكه الجيش. لكن المقايضة تُقاس بالهامش لا بالمتوسط. المعاشات والصحة محميتان بالانتخاب، والفوائد التزام لا يؤجَّل، والدفاع محمي بالقانون والتزامات الحلف. فلا يبقى للضبط إلا الإنفاق المدني التقديري: صيانة المبنى، واستبدال الأستاذ، والممرضة المدرسية.
هنا بالضبط تقع الثانوية. المدفع لم يأخذ الزبدة كلها، بل أخذ الشريحة الوحيدة القابلة للتوزيع.
وجاءت الطاقة لتصل الأطراف بالضواحي. فإغلاق مضيق هرمز رفع أسعار المحروقات، وأعاد «السترات الصفراء» إلى الشارع بالمطلب الذي وُلدت منه. أما سرعة الانتقال إلى العنف فتفسرها معضلة الأمن منقولة إلى الداخل. مجموعات ملثمة تحرق الأبواب، فتأمر الداخلية باستخدام كل الأسلحة الوسيطة، فتسقط إصابات بين القاصرين، فيتسع الغضب. الحكومة ترى عملية يديرها أقصى اليسار، والحركة ترى قمعًا مفرطًا لمراهقين. وأغلبية الفرنسيين تصدّق الروايتين: 62 في المئة يرون الحركة مبررة، و78 في المئة يرون أن «فرنسا الأبية» تستغلها.
غير أن الشارع ليس كتلة واحدة. فالتلميذ المضرب يطالب الدولة بأن تحضر أكثر: أستاذ إضافي، ومبنى مرمّم، وموازنة أوسع. أما المجم
وعات الملثمة، التي شهد مديرو مدارس وتلاميذ بأنها من خارج ثانوياتهم، فتتعامل مع الدولة خصمًا يُستنزف لا طرفًا يُفاوَض. ولكل منهما موقع مختلف من العنف: الأول يخسر به، والثاني يكسب منه حضورًا وصورة وفرصة للفوضى المعممة. والملثم يحوّل مطلبًا تربويًا إلى ملف أمني، فيمنح الحكومة مبررًا للرد بالشرطة بدل الموازنة، ويُسقط عن التلميذ صفة المطالِب ليُلبسه صفة المشتبه به. هكذا يصادر العنف الحركة التي يدّعي الدفاع عنها.
وفي غياب ناظم داخلي تتحول كل خطوة إلى قرينة تهديد عند الطرف الآخر. فممثلو التلاميذ يصفون هيئات الحوار بأنها مهجورة، والبرلمان منقسم بلا أغلبية. والمستفيد قبل رئاسيات 2027 هو الطرف الذي يقدّم نفسه بديلًا عن الشارع والحكومة معًا.
ما يجري في فرنسا هو اللحظة التي التقت فيها أزمة عمرها ستة وثلاثون عامًا بمعادلة مالية جديدة: دين تتضخم كلفته، ومدفع يتقدم بالقانون، وطاقة تُشعلها حرب بعيدة.
وإذا كانت الدولة تبني ردعها في مواجهة الخارج، فمن يبني ثقتها في مواجهة الداخل؟ فجمهورية تخسر ثانوياتها تخسر الجيل الذي يُفترض أن يصوّت لاستخدام السلاح الذي تشتريه اليوم.

