كيف تصل صواريخ الحوثيين إلى الرياض ومن أين تأتي تقنياتها؟
من تقنيات إيران وقطع الصين إلى اتهامات لروسيا والذكاء الاصطناعي... كيف تصل صواريخ الحوثيين إلى مطارات السعودية؟ تقرير يكشف خيوط الترسانة وأسرارها.

أعادت الهجمات المتكررة على مطارات السعودية، وخصوصاً مطار الملك خالد الدولي في الرياض، طرح سؤال عن القدرات العسكرية التي يمتلكها الحوثيون، ومصادر التكنولوجيا التي تتيح لهم تنفيذ ضربات بعيدة المدى رغم الدفاعات الجوية المتطورة.
تكشف تحقيقات جنائية ودراسات عسكرية وتقارير استخبارية شبكة معقدة تجمع بين الخبرة الإيرانية والمكونات الصينية ومعلومات منسوبة إلى الأقمار الصناعية الروسية، وصولاً إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في مشاريع لتطوير برمجيات توجيه الصواريخ داخل اليمن.
فما الذي نعرفه فعلياً عن هذه الترسانة، ومن يقف وراء تقنياتها، وكيف يمكن تفسير وصول بعض ضرباتها إلى المطارات السعودية؟
ماذا تكشف الهجمات الأخيرة على المطارات السعودية؟
شهد مطار الملك خالد هجمات متكررة خلال الأسبوع الثاني من تشرين الأول/أكتوبر 2026، بلغت ذروتها في العاشر منه، حين أسفرت ضربة صاروخية عن مقتل 12 شخصاً وإصابة أكثر من 300، وفق السلطات السعودية.
وأعلن الحوثيون استخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة في هجمات سابقة على مطارات الرياض وأبها ومنشآت عسكرية. وفي 11 تشرين الأول، وجدّدوا تحذير شركات الطيران والعاملين في المطارات والمسافرين من استخدام المطارات والأجواء السعودية، باعتبارها عرضة للاستهداف، محمّلين المملكة مسؤولية “أي اعتراضات فاشلة”.
ورجّح مشروع التهديدات الحرجة (Critical Threats Project)، في تقييم نشره في 10 تشرين الأول، مسؤولية الحوثيين عن ضربة مطار الملك خالد الأخيرة، مشيراً إلى تصاعد استخدامهم الصواريخ الباليستية والمجنّحة والمسيّرات ضد المنشآت المدنية السعودية.
لكن تحديد الطراز المستخدم في كل ضربة، أو التكنولوجيا المسؤولة عن إصابتها، لا يزال يحتاج إلى فحص مستقل لحطام الأسلحة.
ما الأسلحة التي تسمح للحوثيين باستهداف مواقع بعيدة؟
تضم الترسانة الحوثية ثلاث فئات رئيسية، هي الصواريخ الباليستية، والصواريخ المجنّحة، والمسيّرات الهجومية.
تشمل الفئة الأولى صواريخ من عائلتي “بركان” و”طوفان”، إلى جانب منظومات أخرى ذات جذور إيرانية. أما الصواريخ المجنّحة، وأبرزها عائلة “القدس”، فتستخدم محركات نفاثة صغيرة وأنظمة ملاحة مبرمجة. وفي فئة المسيّرات، تبرز “صمّاد 3” التي تستطيع قطع مسافات طويلة، وتعتمد في توجيهها على تقنيات الملاحة بالأقمار الصناعية والقصور الذاتي.
ويشير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، في دراسة نشرها في نيسان/أبريل 2025، إلى أن الحوثيين اكتسبوا قدرات محلية في تصنيع المسيّرات البسيطة وبعض الصواريخ قصيرة المدى، فيما تتطلب المنظومات الأكثر تعقيداً دعماً تقنياً وصناعياً خارجياً.
ماذا كشف فحص أكثر من 800 مكوّن صاروخي؟
قدّم مركز أبحاث التسليح أثناء النزاعات (Conflict Armament Research – CAR) أحد أبرز الأدلة المادية على طبيعة الترسانة الحوثية.
ففي تحقيق نشره عام 2026، أعلن المركز فحص أكثر من 800 مكوّن صاروخي وقطعة مرتبطة بالمسيّرات، ضُبطت في شحنات بحرية خلال عامي 2024 و2025.
وأظهر الفحص وجود أجزاء تحمل تسميات إيرانية ورموزاً تساعد على تجميع المنظومات، ما يشير إلى تنظيم عملية التصنيع والتوريد عبر شبكات خارج اليمن.
واللافت أن نحو 5% فقط من المكونات المفحوصة كانت إيرانية المنشأ، فيما أمكن تتبع بقية الأجزاء إلى 16 دولة أو منطقة مختلفة، وفق ما نقلته صحيفة “ذا ناشيونال” عن الباحثين.
وهذا لا يعني محدودية الدور الإيراني. فقد يكون تصميم الصاروخ وتكنولوجيا توجيهه إيرانيين، بينما تأتي مكوناته الإلكترونية والصناعية من أسواق دولية، ويُنجز تجميعه النهائي داخل اليمن.
ما الذي تقدمه إيران فعلياً؟
تُظهر دراسة للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، ومقره لندن، أن إيران تؤدي دوراً رئيسياً في توفير التصميمات وأنظمة التوجيه والمكونات المعقدة، إضافة إلى الصواريخ التي يصعب تصنيعها محلياً.
ومن الأمثلة التي وثقها المعهد تحويل الحوثيين صاروخ دفاع جوي سوفياتياً قديماً من طراز S-75 إلى صاروخ مضاد للسفن، بمساعدة تكنولوجيا توجيه إيرانية.
وفي تموز/يوليو 2025، أعلنت القيادة المركزية الأميركية مصادرة شحنة تجاوز وزنها 750 طناً، تضمنت صواريخ ومكونات وأنظمة رادار ومحركات مسيّرات، وأشارت إلى العثور على أدلة تربط أجزاء منها بالصناعة العسكرية الإيرانية.
وتعزز هذه الوقائع فرضية انتقال الحوثيين تدريجاً من استخدام منظومات جاهزة إلى تجميع أسلحة وتعديلها محلياً، مع استمرار اعتمادهم على الإمدادات والخبرة الخارجية.
ماذا كشف التحقيق في الشحنات الصينية؟
في 23 أيلول/سبتمبر 2026، نشرت وكالة “بلومبيرغ” تحقيقاً عن شحنات قادمة من الصين، صادرتها السلطات اليمنية أثناء توجهها إلى مناطق سيطرة الحوثيين.
وضمت المضبوطات معدات صناعية وأجزاء يمكن استخدامها في تصنيع المسيّرات والصواريخ، من بينها مكونات لأنظمة التوجيه والمحركات وآلات تصنيع متطورة. ورصد المحققون قطعة يُشتبه في أنها جزء من صاروخ “خيبر شكن” الإيراني.
وكشفت سجلات الشحن عن 41 بوليصة صادرة عن شركات صينية، تغيّر اسم المستورد اليمني في 25 منها، ما أثار شبهات بشأن محاولات إخفاء المستفيد النهائي.
والأهم أن بيانات أميركية نقلتها “بلومبيرغ” أظهرت أن أكثر من 70% من فئة السلع مزدوجة الاستخدام المحظورة أو المقيدة، التي ضُبطت بين كانون الثاني/يناير 2025 ونيسان 2026، كانت صينية المنشأ.
لكن التحقيق لم يثبت علم الشركات الصينية بالوجهة العسكرية النهائية لجميع منتجاتها، كما لا توجد أدلة حاسمة على إدارة الحكومة الصينية لهذه الشحنات. وتنفي بكين اتهامات دعم الحوثيين عسكرياً.
هل ساعدت الأقمار الصناعية الصينية في توجيه الهجمات؟
في نيسان 2025، اتهمت الولايات المتحدة شركة Chang Guang Satellite Technology الصينية بتزويد الحوثيين بصور أقمار صناعية تساعدهم على استهداف السفن العسكرية والتجارية في البحر الأحمر.
وتناول مركز ستيمسون الأميركي القضية في دراسة نشرها في آب/أغسطس 2025، مشيراً إلى دور التكنولوجيا الصينية ذات الاستخدام المزدوج في دعم القدرات الحوثية.
وتكمن أهمية هذه الاتهامات في أنها تتعلق بتوفير المعلومات اللازمة لتحديد الأهداف، وهي وظيفة تختلف عن تصنيع السلاح نفسه. غير أن الأدلة المنشورة تخص بصورة أساسية الهجمات البحرية، ولا تثبت استخدام بيانات صينية في استهداف مطارات السعودية.
ماذا عن التكنولوجيا والمعلومات الروسية؟
في تشرين الأول 2024، كشفت “وول ستريت جورنال”، نقلاً عن مسؤولين دفاعيين أوروبيين، أن روسيا زوّدت الحوثيين بمعلومات استهداف مستمدة من الأقمار الصناعية، نُقلت عبر عناصر من الحرس الثوري الإيراني، واستخدمت في الهجمات على السفن.
وفي 30 أيلول 2026، نشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) تحليلاً عن تعمّق التعاون الاستخباري والعسكري بين موسكو وطهران.
واستند التحليل إلى تقارير عن مرور أقمار استطلاع روسية فوق قاعدة أميركية في السعودية قبل استهدافها إيرانياً، إضافة إلى معلومات عن نقل روسيا تكنولوجيا مسيّرات محسّنة إلى إيران، تشمل تطوير قدرات الملاحة.
وتثير هذه المعطيات احتمال استفادة الحوثيين من التعاون الروسي – الإيراني، لكن لا يوجد دليل منشور يثبت انتقال تكنولوجيا روسية محددة إلى الصواريخ المستخدمة في ضربات الرياض الأخيرة.
هل دخل الذكاء الاصطناعي في تطوير الصواريخ الحوثية؟
هذا أحد أحدث الاكتشافات وأكثرها إثارة للاهتمام.
ففي أيلول 2026، كشفت شركة Anthropic الأميركية، المطوّرة لنظام Claude، في تقرير أمني، أن مجموعة هندسية في شمال اليمن استخدمت الذكاء الاصطناعي للعمل على ثلاثة مشاريع لتطوير أسلحة موجّهة.
شملت المشاريع صاروخاً موجّهاً يعتمد على حاسوب طيران تجاري منخفض الكلفة، وصاروخاً باليستياً متعدد المراحل يستهدف مطوّروه مدى يتجاوز ألفي كيلومتر، ومجموعة تصاميم تحمل اسم R2000، بينها نسخة تجريبية لمركبة انزلاق فرط صوتية.
واستخدمت المجموعة عدة نسخ من Claude Code للمساعدة في تطوير برمجيات التوجيه والملاحة والتحكم، وإجراء المحاكاة ومراجعة النتائج، بما يسمح بتسريع بعض الأعمال الهندسية.
وأكدت الشركة أن المجموعة أجرت تجربة إطلاق حقيقية لصاروخ موجّه، لكنها بدت فاشلة، وأنها استطاعت بناء بيئة محاكاة مستقلة عن البرنامج. ومع ذلك، لم تجد دليلاً على دخول أي من المشاريع الخدمة العملياتية، ولم تثبت التبعية التنظيمية للمجموعة إلى الحوثيين.
وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي بدأ يظهر في محاولات تطوير أسلحة شمالي اليمن، فيما لا توجد أدلة على استخدام منظومات ناتجة من هذه المشاريع في ضربات السعودية.
لماذا تنجح بعض الهجمات رغم الدفاعات السعودية؟
لا يمكن تفسير الإصابات بالقدرات الهجومية وحدها. فاختلاف طبيعة الصواريخ الباليستية والمجنّحة والمسيّرات يفرض متطلبات متنوعة على أنظمة الرصد والاعتراض، فيما تزيد الهجمات المتكررة الضغط على الدفاعات.
وهناك عامل آخر كشفت عنه “أسوشيتد برس” في أيلول 2026، حين نقلت عن مسؤولين أن السعودية تواجه نقصاً في الصواريخ الاعتراضية، وتسعى إلى الحصول على دعم من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر، في ظل استنزاف مخزونات الدفاع الجوي خلال الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
بالتالي، قد يكون تكرار إصابات المطارات نتيجة تداخل تطور الترسانة الحوثية مع الضغوط على منظومات الدفاع.
ما النتيجة التي تكشفها هذه التحقيقات؟
ترسم الأدلة صورة لترسانة عسكرية متعددة المصادر، تؤدي فيها إيران دوراً رئيسياً في التصميم والتوجيه والتسليح، وتوفر شبكات تجارية دولية مكونات ومعدات للتصنيع والتجميع. وتضاف إلى ذلك اتهامات بشأن معلومات استخبارية صينية وروسية، ومحاولات موثقة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير برمجيات الأسلحة.
والتحول الأهم الذي تكشفه التحقيقات هو تنامي قدرة الحوثيين على تجميع وتعديل بعض المنظومات داخل اليمن، مع بقاء اعتمادهم على الخارج في التقنيات الأكثر تعقيداً.
أما ما إذا كانت الضربات الأخيرة على مطارات السعودية تعكس نقلة جديدة في دقة التوجيه، أو استفادة من معلومات استخبارية خارجية، أو تراجعاً في فاعلية الدفاعات، فلا تزال الإجابة مفتوحة.
وحتى تتوافر نتائج فحص مستقلة لحطام الصواريخ المستخدمة، تبقى الخلاصة الأكثر استناداً إلى الأدلة أن قدرات الحوثيين باتت تقوم على شبكة تصنيع وإمداد وتكنولوجيا عابرة للحدود، يصعب اختزالها في مصدر واحد.
النهار

