خفايا ساعات ما قبل “حرب لبنان”.. ماذا شهد مقرّ قيادة “حزب الله”؟

نشر موقع “إرم نيوز” الإماراتي تقريراً جديداً أعاد فيه تركيب مسار قرار “حزب الله” فتح جبهة جنوب لبنان في 8 تشرين الأول 2023، مستنداً إلى معلومات من مصادر أمنية وسياسية لبنانية، وإلى معطيات سبق أن ظهرت تباعاً في تصريحات وتقارير إعلامية خلال الحرب وما بعدها.
وتبدأ القصة من صباح 7 تشرين الأول 2023. فبحسب روايات وتقارير نُشرت لاحقاً، لم تكن قيادة “حزب الله” على اطلاع مسبق على توقيت هجوم حركة “حماس” أو حجمه، لكن التطورات المتسارعة في غزة دفعت الحزب سريعاً إلى بحث كيفية التعامل مع الحرب الجديدة.
وبعد أقل من 24 ساعة، بدأت العمليات من جنوب لبنان، لتُفتح جبهة حملت لاحقاً تسمية “جبهة الإسناد”.
من اتخذ القرار؟
بحسب المعلومات التي أوردها “إرم نيوز”، اتخذ الأمين العام السابق لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله قرار فتح الجبهة بالتشاور مع دائرة ضيقة من القيادات العسكرية والتنظيمية، كان من أبرز أعضائها فؤاد شكر وهاشم صفي الدين.
وتتقاطع هذه الرواية مع الصورة التي ظهرت خلال الحرب عن الدور المركزي الذي لعبته القيادة العليا للحزب في إدارة الجبهة، فيما ربط نصر الله علناً العمليات في الجنوب بمساندة غزة والضغط على إسرائيل.
أما إيران، فيقول التقرير إن “فيلق القدس” أُبلغ بالخطوة والترتيبات المرتبطة بها، من دون انتظار إذن عملياتي من طهران، فيما أيدت إيران التحرك مع الحرص على عدم تحوله إلى حرب إقليمية مفتوحة.
عمليات محدودة أم جبهة مفتوحة؟
واحدة من النقاط التي يعيد التقرير طرحها تتعلق بحجم العمليات الذي كان مطروحاً في البداية. فوفق مصادر “إرم نيوز”، لم يكن الخلاف داخل الحزب على مبدأ إسناد غزة، بل على مستوى هذا الإسناد. وبرز اتجاه يدعو إلى حصر العمليات بمستوى محدود، وخصوصاً في منطقة مزارع شبعا، لتجنب تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة على لبنان.
لكن ما حدث ميدانياً اتخذ مساراً آخر، فبعد العمليات الأولى، توسعت رقعة الاشتباكات تدريجياً، وتحولت الحدود الجنوبية إلى جبهة يومية من القصف والاغتيالات والضربات المتبادلة.
تقدير بـ”3 أشهر”
وهنا تبرز إحدى أهم المعطيات التي يسردها التقرير: مدة الحرب المتوقعة. فبحسب “إرم نيوز”، لم تكن حسابات قيادة “حزب الله” مبنية على مواجهة تستمر عاماً أو أكثر، وإنما على حرب في غزة قد تتراوح بين شهر وثلاثة أشهر، قياساً إلى تجارب الحروب والجولات السابقة.
كذلك، قامت الحسابات على فرضية أن إسرائيل، بعد صدمة 7 تشرين الأول، لن ترغب في خوض حرب طويلة على جبهتين، وأن اضطرارها إلى نشر قوات كبيرة في الشمال وإخلاء المستوطنات الحدودية سيزيد الضغط عليها لإنهاء الحرب.
وبالفعل، استدعت إسرائيل قوات كبيرة إلى جبهة لبنان، وأعلنت في شباط 2024 وجود ثلاث فرق عسكرية في الشمال، لكن النتيجة لم تكن إنهاء حرب غزة، بل استمرار الجبهتين وتحول جنوب لبنان إلى ساحة استنزاف طويلة.
هوكشتاين ومحاولات الفصل
خلال عام 2024، بدأت تظهر محاولات دبلوماسية لوقف التصعيد على الحدود اللبنانية. وفي السياق، تحدثت تقارير وتصريحات لبنانية في حينه عن أفكار حملها المبعوث الأميركي عاموس هوكشتاين، بالتوازي مع تحرك فرنسي، وتناولت تطبيق القرار 1701 وترتيبات أمنية على الحدود وخفض التصعيد.
لكن موقف “حزب الله” المعلن بقي ثابتاً: لا وقف لجبهة لبنان قبل وقف الحرب في غزة. وهنا، يرى تقرير “إرم نيوز” أن هذه المعادلة أصبحت لاحقاً عاملاً أساسياً في مسار المواجهة، بعدما بات توقيت إغلاق الجبهة اللبنانية مرتبطاً بمسار حرب غزة ومفاوضاتها.
اغتيال شكر.. نقطة التحول
ووسط مسار كبير من التوترات، جاء يوم 30 تموز 2024. في ذلك اليوم، اغتالت إسرائيل فؤاد شكر في الضاحية الجنوبية لبيروت، في ضربة شكّلت انتقالاً واضحاً إلى مستوى مختلف من المواجهة.
ويقول التقرير إن اغتيال شكر مثّل جرس إنذار داخل قيادة الحزب بأن إسرائيل بدأت تتجاوز قواعد الاشتباك التي حكمت المواجهة خلال مراحل سابقة.
وبعدها تسارعت الأحداث، إذ تصاعدت الضربات والاغتيالات، واستهدفت إسرائيل عدداً كبيراً من القيادات العسكرية والتنظيمية، وصولاً إلى اغتيال الأمين العام السابق للحزب السيد حسن نصر الله.
وبالتوازي، بدأت تتكشف تباعاً معطيات عن حجم الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي للحزب، سواء من خلال عمليات الاغتيال أو استهداف منظومات الاتصال وتفجيرات أجهزة النداء واللاسلكي.
مراجعة ما بعد الحرب
هذه الوقائع أعادت ملف الأمن الداخلي للحزب إلى الواجهة. وبحسب “إرم نيوز”، فإن المراجعات داخل قيادة “حزب الله” الحالية برئاسة نعيم قاسم لا تتناول فقط القرارات العسكرية خلال الحرب، وإنما تمتد إلى بنية الحزب نفسها، وتوسعه خلال السنوات الماضية، وانخراطه في الحرب
السورية، وحركة كوادره، ومدى تأثير ذلك في الإجراءات الأمنية التي ميّزت بنيته سابقاً.
وتشمل الأسئلة أيضاً كيفية اختراق منظومات الاتصال، والطريقة التي تمكنت بها إسرائيل من جمع معلومات دقيقة وبناء بنك أهداف وصل إلى مستويات قيادية شديدة الحساسية.
من ناحيته، رأى الباحث السياسي مازن بلال أن مراجعة تجربة جبهة الإسناد لا ينبغي أن تقتصر على النتائج العسكرية، بل على الفرضية السياسية التي انطلقت منها. فالمشكلة، برأيه، كانت في التعامل مع المواجهة بوصفها امتداداً لجولات سابقة يمكن ضبط سقفها ومدتها، بينما كان 7 أكتوبر قد غيّر طبيعة الصراع نفسه.
وقال بلال إن الصراع كان واضحا خلال الحرب أنه يتجه إلى إعادة تشكيل توازنات إقليمية أوسع، وأن استمرار الاستنزاف على الجبهة اللبنانية يفتح احتمالات تتجاوز الحسابات المحلية.
وبهذا المعنى، لم يكن السؤال فقط إن كانت جبهة الإسناد قد شغلت قوات إسرائيلية عن غزة، بل ما إذا كان الحزب قد امتلك منذ البداية خطة خروج إذا لم تنته الحرب خلال الأشهر الثلاثة التي بُني عليها تقديره الأول، وفقا لبلال.

