Jadidouna the News

سلام: وزّعنا السلطة وأجّلنا بناء الدولة… أين إصلاحات الطائف؟

شدّد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام على أن “استعادة الدولة لسلطتها وحصر القوة الشرعية في مؤسساتها يشكّلان أساسًا لقيام دولة القانون”، مؤكّدًا أن “السيادة لا تكتمل حين تُتخذ قرارات الحرب والسلم والأمن الوطني خارج المؤسسات الدستورية”. ودعا إلى “تطبيق اتفاق الطائف بكامل بنوده، وتصحيح ما شُوّه منها في الممارسة، ومعالجة الثغرات التي كشفتها التجربة”، محذّرًا من أن “أي دولة لا تستطيع الاستمرار إذا أصبح التعطيل جزءًا من قواعدها غير المكتوبة”.

وجاءت مواقف سلام خلال افتتاح معرض “بين سطور الدستور” في المكتبة الوطنية بالصنائع، احتفاءً بمئوية الدستور اللبناني، حيث تناول الجذور التاريخية والفكرية للدستور، ومسار تطوّر النظام السياسي، والتحديات التي حالت دون استكمال بناء الدولة.

واستهلّ سلام كلمته بالإشارة إلى أن “الدستور، بعد 100 عام على صدوره، لم يكن مجرد مجموعة من المواد القانونية، بل شكّل ولا يزال الإطار الذي انتظم فيه وجود الدولة، وتحدّدت من خلاله مؤسساتها وسلطاتها، ورُس
مت حقوق اللبنانيين وحرياتهم”.

وأوضح أن “الدساتير، في جوهرها، ليست نصوصًا لتنظيم السلطة فحسب، بل لتقييدها أيضًا، بحيث لا تكون السلطة مطلقة ولا يكون الحاكم فوق القانون، ويعرف المواطن حقوقه، وتعرف كل سلطة حدودها، ويحتكم الجميع إلى قواعد مشتركة عند الاختلاف”.

واعتبر أن “الدستور اللبناني لم ينشأ من فكرة واحدة أو تجربة واحدة أو مصدر فكري واحد، بل كان ابن تعدّد، سواء في مصادره الفكرية أو التجارب التي سبقته أو المجتمع الذي أراد تنظيم حياته السياسية”. ورأى أن “هذا التعدّد يشكّل مفتاحًا لفهم لبنان”، طارحًا السؤال: “هل نجحنا في تحويل هذا التعدد إلى شراكة في الدولة، أم أننا تركناه في مراحل كثيرة يتحول إلى تقاسم للدولة؟”.

وقال إن “الاحتفال بالدستور لا يقتصر على العودة إلى لحظة وضعه، بل يستدعي مراجعة ما فعله اللبنانيون به، وما أضافته تجربتهم إليه، وما بقي ناقصًا، وما تعلّموه من قرن كامل من الأزمات والحروب والتسويات”.

وفي استعراضه للجذور التاريخية للدستور، الذي صدر في 23 أيار 1926، أوضح سلام أن “أصوله تعود إلى القرن التاسع عشر، حين بدأت أفكار وممارسات جديدة حول الدولة والسلطة والحقوق تدخل إلى المنطقة”.

وأشار إلى أن “إصلاحات التنظيمات العثمانية، بدءًا من خط كلخانة عام 1839، ثم الخط الهمايوني عام 1856، أسهمت في تغيير علاقة الفرد بالسلطة تدريجيًا، مع دخول مفاهيم المساواة أمام القانون وتنظيم الإدارة وضمان الحقوق، وتحول مسألة حدود ا
لسلطة إلى جزء من النقاش العام”.

وأضاف أن “الدستور العثماني عام 1876، ثم العودة إلى الحياة النيابية عام 1908 بعد تعليقها، رسّخا مفردات وتجارب جديدة في الحياة السياسية، بينها البرلمان والتمثيل والانتخابات، بما مهّد للانتقال من فكرة الحاكم العادل إلى فكرة الحكم المقيّد”. ولفت إلى أن “الإصلاح العثماني لم يكن دائمًا ديمقراطيًا بالمفهوم المعاصر، لكنه شكّل جزءًا من المسار الذي أفضى إلى الدستور اللبناني”.

وتوقف سلام عند تجربة المتصرفية التي أعقبت أحداث عام 1860 في جبل لبنان، معتبرًا أن “مجلسها الإداري ونظامها الخاص أتاحا تجربة مبكرة في إدارة مجتمع متعدّد وفي التمثيل السياسي المحلي”.

كما تناول دور النهضة العربية، موضحًا أنها “انطلقت من بيروت وجبل لبنان ومدن المشرق، وتأثرت بأفكار رواد مثل رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، ولا سيما ما طرحه الأخير في كتابه أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، من ربط تقدّم الغرب بحسن تنظيم الدولة ومؤسساتها الحديثة وعلاقة المواطن بها”.

وأشار إلى أن “مفكرين ومصلحين، من بطرس البستاني إلى فرح أنطون وعبد القادر القباني وأجيال لاحقة، أسهموا في بلورة فكرة أن الوطن لا يمكن أن يكون مجرد اجتماع طوائف، وأن المواطنة ينبغي أن تشكّل مساحة مشتركة تجمع الأفراد على اختلاف انتماءاتهم”.

ولفت إلى أن “البستاني دعا، بعد أحداث عام 1860، إلى وطن يعلو على العصبيات، وإلى التعليم بوصفه طريقًا للخروج من الانقسام، وإلى مجتمع يحوّل اختلافاته إلى مصدر قوة بدلًا من أن يجعلها سببًا للصراع”.

وأوضح أن “رواد النهضة لم يكتبوا دستور عام 1926، لكنهم ساهموا في صياغة المناخ الفكري الذي جعله ممكنًا، إذ سبقت فكرة المواطنة تكريسها في النص، كما سبقت المطالب الثقافية والسياسية بالحرية والمساواة تحوّلهما إلى حقوق دستورية”.

وتطرّق سلام إلى الدور الفرنسي المباشر في وضع الدستور خلال الانتداب، مشيرًا إلى أن “واضعيه تأثّروا بالتقاليد الدستورية الفرنسية، ولا سيما النظام البرلماني للجمهورية الثالثة، لجهة الفصل بين السلطات والمسؤولية الوزا
رية ودور البرلمان وضمان الحريات العامة”.

وأضاف أن “النص تضمّن مبادئ أساسية في الفكر الليبرالي الفرنسي، بينها حرية الضمير والرأي والاجتماع والمساواة أمام القانون”، لكنه شدّد على أن “لبنان لم يستورد صيغة جاهزة، بل استفاد من التجربة الفرنسية وأضاف إليها تجربته الخاصة”.

ورأى أن “خصوصية الدستور اللبناني تظهر في السؤال الذي واجهه منذ البداية: كيف تُبنى دولة حديثة في مجتمع متعدّد الطوائف والانتماءات؟”.

وفي هذا السياق، قال إن “المادة 95 شكّلت محاولة للتوفيق بين مبدأ الدولة الحديثة وواقع المجتمع المتعدّد، عبر اعتماد التمثيل الطائفي بوصفه إجراءً مؤقتًا لتحقيق العدالة والوفاق”. وشدّد على أن “كلمة مؤقتًا تعكس إدراك الآباء المؤسسين أن الطائفية السياسية قد تكون وسيلة انتقال إلى الدولة المنشودة، لكنها لا يمكن أن تكون غايتها النهائية”.

وأضاف أن “الدستور حمل منذ ولادته ذاكرة الإصلاح الساعي إلى تقييد السلطة بالقانون، وذاكرة النهضة الباحثة عن المواطن، والتجربة اللبنانية في إدارة التنوع، والفكر الدستوري الفرنسي والبلجيكي الذي أسهم في تشكيل بنيته المؤسسية”. وأكد أن “التحدّي لم يكن في تعدّد المصادر، بل في كيفية تحويل هذا التعدّد إلى وحدة سياسية”.

وانتقل سلام إلى مرحلة الاستقلال، معتبرًا أن “دستور عام 1926 أسّس الجمهورية، فيما استكمل الاستقلال عام 1943 سيادتها، فأصبح الدستور دستور دولة مستقلة، وأُلغيت المواد المتعلقة بسلطة الانتداب”.

وأشار إلى أن “الميثاق الوطني أضاف إلى النص المكتوب تسوية سياسية حول هوية الكيان اللبناني، كانت أساسية، لكنها حملت أيضًا بذور أزمات لاحقة، إذ تحوّلت بعض التوازنات مع الزمن إلى اختلالات، وبعض الضمانات إلى مبررات للجمود، وبعض التفاهمات إلى أعراف تجاوزت النص”.

وتوقف عند الحرب التي اندلعت عام 1975، مشيرًا إلى أن “اللبنانيين دفعوا على مدى نحو 15 عامًا أثمانًا باهظة لانهيار الدولة وانفجار تناقضات لم تُعالج داخل المؤسسات”.

وقال إن “وثيقة الوفاق الوطني، المعروفة باتفاق الطائف، وُلدت عام 1989 من قلب تلك التجربة، ولم تكن مجرد تسوية لإنهاء الحرب، بل محاولة جديدة للإجابة عن السؤال الذي رافق الدستور منذ نشأته: كيف يُدار التعدّد من دون أن يتحوّل إلى صراع على الدولة؟”.

وأوضح أن “الطائف أكّد أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، عربي الهوية والانتماء، وأن نظامه ديمقراطي برلماني يقوم على الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها. كما أعاد توزيع الصلاحيات، ونقل السلط
ة التنفيذية إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، مكرّسًا المسؤولية الجماعية والمناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب”.

وأضاف أن “الطائف أدخل إلى مقدمة الدستور مبادئ أصبحت جزءًا من تعريف الدولة، أبرزها أن الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة التي يمارسها عبر المؤسسات الدستورية، وأنه لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك، إلى جانب تأكيد الحريات العامة والمساواة بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات”.

وشدّد سلام على أن “الطائف رسم مسارًا لاستكمال بناء الدولة، فنصّ على أن إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية، وعلى إنشاء مجلس للشيوخ بعد انتخاب مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، تتمثّل فيه العائلات الروحية وتُناط به القضايا المصيرية”.

واعتبر أن “هذه الصيغة شكّلت محاولة لحماية الجماعات من دون إبقاء المواطن مقيّدًا بانتمائه الطائفي في مختلف جوانب حياته السياسية”.

وأشار إلى أن “الطائف نصّ أيضًا على الإنماء المتوازن واللامركزية الإدارية الموسّعة، وإن لم تُدرج الأخيرة في نص الدستور عند تعديله لاحقًا”.

وفي مسألة السيادة، أكّد سلام أن “الطائف ركّز على بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية”، معتبرًا أن “هذا المبدأ يشكّل الأساس الذي لا تقوم الدولة من دونه”.

وقال: “الطائف لم يفصل الإصلاح السياسي عن استعادة الدولة لسلطتها، وعن حل الميليشيات وحصر القوة الشرعية في مؤسساتها”.

وأوضح أن “هذه القضية ليست أمنية فحسب، بل دستورية في جوهرها، إذ لا معنى لسيادة الشعب مع تعدّد مصادر السلطة خارج المؤسسات التي تمثّله، ولا معنى لدولة القانون إذا لم يَسْرِ القانون على الجميع، ولا تكتمل سيادة الدولة إذا كانت قرارات الحرب والسلم والأمن الوطني تُتخذ خارج مؤسساتها الدستورية”.

وبعد أكثر من 3 عقود على الاتفاق، دعا سلام إلى مراجعة صريحة لطريقة تطبيقه، متسائلًا: “هل طبقنا الطائف فعلًا، أم إننا طبقنا منه ما أعاد توزيع السلطة وأجلنا ما كان يفترض أن يطور الدولة؟”.

وأشار إلى أن “المناصفة كُرّست من دون إنشاء مجلس الشيوخ، وأُعلن إلغاء الطائفية السياسية هدفًا وطنيًا من دون وضع مسار عملي لتحقيقه، فيما بقيت اللامركزية مشروعًا مؤجلًا”.

وانتقد “توسيع قاعدة التمثيل الطائفي في الإدارة لتشمل مختلف الفئات وصولًا إلى أدنى المراتب، رغم النص على إلغائها باستثناء وظائف الفئة الأولى”. كما أشار إلى “تحوّل معظم الوظائف العامة، مع مرور الوقت، إلى مواقع تكاد تكون محجوزة لطوائف محدّدة، خلافًا لمبدأ عدم تخصيص أي وظيفة لأي طائفة”.

وأضاف أن “الحديث عن دولة المؤسسات ترافق، في محطات كثيرة، مع ا
لسماح للأعراف وتوازنات القوة بالتقدّم على النص والمؤسسات”.

وشدّد على أن “التمسّك بالطائف يقتضي أولًا تطبيقه بكامل بنوده، فلا يجوز إعلان الالتزام به وترك جزء كبير من إصلاحاته معلّقًا، أو أن يأخذ كل فريق ما يناسبه منه ويتجاهل الالتزامات المترتبة عليه”.

ودعا إلى “تصحيح البنود التي شُوّهت عند التطبيق، وسدّ الثغرات التي كشفتها الممارسة خلال العقود الماضية، وتطوير الدستور عند الحاجة وفق قواعده، لا عبر تجاوزه”.

وفي ختام كلمته، قال سلام: “شهدنا أزمات دستورية طويلة، وتعطيلًا في انتخاب 3 رؤساء للجمهورية على التوالي، وأشهرًا تطول قبل أن نتمكن من تشكيل الحكومات، وسجالات حول حدود المهل الدستورية ومعنى تصريف الأعمال، وخلافات حول تفسير بنود من الدستور وآليات الفصل فيها”.

وأكّد أن “هذه المسائل تستوجب النقاش والحسم، لأنها ليست أسئلة فنية، بل تقع في صلب مستقبل الدولة”، قائلًا: “لا يمكن لأي دولة أن تستمر إذا أصبح التعطيل جزءًا من قواعدها غير المكتوبة”.

زر الذهاب إلى الأعلى