راتب اللّبناني لا يكفي… والحسبة تفضح الواقع!

يتقاضى موظفٌ لبنانيٌّ الحدّ الأدنى للأجور، فيدخل إلى حسابه في نهاية الشّهر 28 مليون ليرة. على الورق، الرّقم أكبر بكثير ممّا كان عليه قبل سنوات، ولكن ما إن يبدأ بتقسيم راتبه بين الطّعام والنّقل والكهرباء والاتصالات والدّواء، حتى يتقلّص الرّقم بسرعة، وقد ينتهي الراتب قبل أن ينتهي الشهر بوقتٍ طويل!
منذ الأول من آب 2025، رُفع الحدّ الأدنى الشّهري للأجور للمُستخدمين والعمال الخاضعين لقانون العمل من 18 مليون ليرة إلى 28 مليون ليرة لبنانيّة، بموجب المرسوم رقم 699، فيما حُدّد الحدّ الأدنى للأجر اليومي بـ1.3 مليون ليرة.
وعلى أساس سعر صرف يقارب 89,500 ليرة للدولار، يوازي الحدّ الأدنى نحو 313 دولاراً شهرياً، في وقتٍ كان الحدّ الأدنى للأجور قبل الأزمة الاقتصادية يبلغ 675 ألف ليرة، ما يعادل نحو 450 دولاراً، ولكنّ الدولار نفسه لم يعد يشتري في لبنان اليوم ما كان يشتريه قبل سنوات.
يؤكّد رئيس الإتحاد العمّالي العامّ بشارة الأسمر أنّه “ستجتمع لجنة المؤشّر في 7 أيلول للبحث في الحدّ الأدنى للأجور في القطاع الخاصّ، بالإضافة الى رفع بدل النقل في ظلّ ارتفاع أسعار المحروقات، أمّا بالنسبة للقطاع العام، فسنلتقي وزير المالية ياسين جابر للبحث معه في تسريع دفع المستحقّات المتوجّبة والمتأخرات وزيادة بدل النقل أيضاً”، مُضيفاً، في مقابلة مع موقع MTV، أنه “بدأنا المفاوضات على أساس رفع الحدّ الأدنى للأجور الى 1200 دولار، وخفّضنا الرّقم الى 550 دولار، ولكن لم يتمّ القبول بهذا المبلغ بسبب الأوضاع الأمنيّة والاقتصاديّة الضاغطة على مُختلف المؤسّسات في لبنان، بانتظار أن نصل الى حدٍّ أدنى من الاستقرار”.
ويُشير الأسمر الى عامل إضافي هو “توقّف موارد الدولة نتيجة تمنّع عدد من المواطنين عن الدّفع، بالإضافة الى تمديد المهل”، معتبراً أنّ “الأمور في حالة سيّئة جدّاً، والعامل لا يحتمل الانتظار، إلا أن الاستقرار هو العامل الأهم لوضع حدٍّ أدنى من الحلول في هذا الملفّ”.
وفي هذا السيّاق، يشدّد الأسمر على أنّ “المطلوب تنازلات من مختلف الأطراف للوصول الى حلّ وسط عبر زيادة مقبولة لا تكون لها انعكاسات سلبيّة”.
لكن ماذا في حسبة الموظّف؟ لنفترض أنَّ موظفاً يتقاضى الحدّ الأدنى للأجور، أي نحو 313 دولاراً شهرياً. قبل الحديث عن الإيجار أو الأقساط المدرسيّة أو الاستشفاء، هناك الطعام.
تضع تقديرات حديثة لكلفة المعيشة في لبنان المصروف الشهري على البقالة للفرد وحده عند مستويات يُمكن أن تستهلك جزءاً كبيراً من هذا الراتب. وفي تقديرٍ آخر نشر في تموز 2026، يحتاج الحدّ الأدنى من الغذاء وحده إلى نحو ثلثي الحدّ الأدنى للأجور، ما يترك قرابة 94 إلى 112 دولاراً فقط لبقية حاجات الشهر.
ومن هذا المبلغ المتبقّي يجب أن يدفع الموظّف النقل، والهاتف والإنترنت، والكهرباء واشتراك المولّد، والأدوية عند الحاجة، والملابس والمصاريف الشخصيّة وأي التزامات طارئة. أما إذا كان يدفع إيجاراً، أو يُعيل أطفالاً، أو يتحمّل قسطاً مدرسياً، فالمُعادلة تصبح أصعب بكثير.
صحيح أنّ رفع الأجور في لبنان ليس عملية بسيطة، فأيّ زيادة كبيرة لا تراعي قدرة المؤسّسات على الدفع قد ترفع كلفة التّشغيل، وتضغط خصوصاً على الشّركات الصغيرة والمتوسطة، وقد تنعكس على الأسعار أو التّوظيف، ولكن إبقاء الأجور عند مستويات بعيدة عن كلفة المعيشة يعني في المقابل استمرار تراجع القدرة الشرائيّة للموظفين، وارتفاع معدّلات الفقر، التي تحلّق أصلاً!
للأسف أصبح الحدّ الأدنى للأجور في لبنان نقطة ينطلق منها المواطن للبحث عن دخلٍ ثانٍ وثالثٍ ورابعٍ… وإذا كان اللبناني يعمل شهراً كاملاً ولا يستطيع راتبه أن يغطّي أساسيّات هذا الشهر، فهل ما زال الرقم الذي يُعطى يستحق فعلاً أن يُسمّى “الحدّ الأدنى للعيش”؟
جيسيكا حبشي – Mtv

