إيران تحت الضغط… ولبنان أمام لحظة القرار!

ما يجري بين دمشق وتل أبيب في الأردن، بالتزامن مع زيارة مدير الـCIA جون راتكليف إلى موسكو، لا يبدو مجرد تحركين منفصلين. فالمشهد يوحي بأن واشنطن تعمل على إعادة ترتيب المنطقة، لا إدارة أزماتها فقط.
اللقاء الإسرائيلي–السوري يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة في سوريا، الدولة التي كانت لسنوات الممر الأساسي بين إيران ولبنان. أما زيارة راتكليف إلى موسكو، في ظل الضغط المتزايد على طهران، فتطرح احتمال بحث أوسع حول مستقبل النفوذ الإيراني وحدود الدور الروسي في المنطقة.
لكن الاختبار الأصعب سيكون في لبنان.
فإذا تغيّرت قواعد اللعبة في سوريا، وأصبحت الحدود والممرات أكثر ضبطاً، فإن قدرة حزب الله على إعادة بناء قدراته عبر البيئة الإقليمية التي اعتمد عليها لعقود ستتراجع ،وهنا ينتقل الملف من كونه مسألة سلاح داخلية إلى جزء من إعادة ترتيب إقليمية كاملة.
لبنان أمام مفترق واضح ،إما أن يسبق التحولات ويستعيد تدريجياً القرار الأمني والعسكري للدولة، أو ينتظر حتى تصبح الترتيبات الخارجية أمراً واقعاً. وفي الحالة الثانية، لن يكون النقاش فقط حول سلاح حزب الله، بل حول موقع لبنان كله في الخريطة الجديدة.
والتجربة العراقية تقدم مثالاً مهماً،فالنقاش حول حصر السلاح والقرار الأمني بالدولة لم يعد مطلباً لبنانياً أو غربياً فقط، بل أصبح جزءاً من مستقبل دول المنطقة. وفي سوريا أيضاً، كان أحد أبرز التحولات بعد سقوط النظام السابق هو الانتقال من تعدد مراكز النفوذ إلى محاولة بناء سلطة مركزية قادرة على التحكم بالحدود والقرار الأمني.
لذلك فإن لبنان لا يستطيع أن يتعامل مع التطورات السورية كأنها شأن خارجي ،فكلما أُعيد ضبط سوريا، ضاق المجال أمام استمرار لبنان كحلقة متقدمة في المحور الإيراني.
وهذا لا يعني بالضرورة أن المواجهة مع حزب الله ستكون عسكرية، فالمسار الأكثر احتمالاً قد يكون سياسياً ومالياً وأمنياً تشديد الرقابة على التمويل، ضبط الحدود، منع استخدام الأراضي اللبنانية كساحة صراع إقليمي، وتثبيت مبدأ أن قرار الحرب والسلم والسلاح يعود إلى الدولة.
وهنا تبرز مسؤولية العهد والحكومة والجيش والقوى السياسية اللبنانية، فالتحول الحقيقي لا يكون فقط بنزع سلاح، بل ببناء دولة تجعل وجود سلاح خارجها أمراً غير قابل للاستمرار سياسياً وأمنياً.
أما حزب الله، فسيجد نفسه أمام سؤال استراتيجي، هل يتمسك بدوره الإقليمي في وقت تتغير فيه البيئة التي سمحت بهذا الدور، أم يعيد تموضعه كقوة سياسية لبنانية داخل مؤسسات الدولة؟
إيران بدورها قد تحافظ على خطابها وتحاول الاحتفاظ بأوراقها، لكنها لن تستطيع التحكم وحدها بمسار المنطقة إذا توصلت واشنطن وموسكو ودمشق والعواصم العربية إلى ترتيبات جديدة.
لهذا، فإن لقاء الأردن وزيارة موسكو قد تكونان جزءاً من صورة أكبر بكثير من سوريا وإيران.
إنها صورة شرق أوسط يُعاد فيه توزيع النفوذ، ولبنان أمام خيار تاريخي: أن يستعيد قراره قبل اكتمال الخريطة الجديدة، أو يجد نفسه مضطراً للتكيف معها بعد أن تُرسم حدود دوره من الخارج.
وفي الحالتين، فإن المرحلة المقبلة لن تختبر قوة حزب الله وحدها، بل ستختبر قدرة الدولة اللبنانية على أن تصبح دولة كاملة السيادة.
سعد شعنين

