لماذا اختفى لبنان من تصريحات المسؤولين الإيرانيين؟

كان يكفي في السابق أن يتحدّث أي مسؤول إيراني عن الشرق الأوسط حتى يكون لبنان حاضراً في مقدمة الخطاب. فمنذ قيام المشروع الإيراني في المنطقة، احتل لبنان موقعاً متقدماً في التصريحات الرسمية، بوصفه قاعدة متقدمة لـ”محور المقاومة” وأحد أهم عناصر النفوذ الإيراني على شاطئ البحر المتوسط.
أمّا اليوم، فقد تغير المشهد بصورة لافتة، فمنذ اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس اللبناني جوزاف عون في البيت الأبيض، بدأت ملامح مرحلة جديدة تظهر في المشهد اللبناني والإقليمي. ولم تقتصر هذه المرحلة على الحراك الدبلوماسي الأميركي والدولي الداعم للدولة اللبنانية، بل انعكست أيضاً على الخطاب الإيراني نفسه، حيث تراجع الحديث عن لبنان بشكل غير مسبوق مقارنة بما كان عليه خلال السنوات الماضية.
وليس المقصود هنا مجرد غياب اسم لبنان عن بعض التصريحات، بل تبدل في سلم الأولويات. فالمسؤولون الإيرانيون باتوا يركزون على حماية الداخل الإيراني، والبرنامج النووي، والعقوبات الأميركية، وأمن الخليج، فيما تراجع لبنان من واجهة الخطاب السياسي الذي لطالما استخدمته طهران لإظهار اتساع نفوذها الإقليمي.
قد يبدو الأمر تفصيلاً للبعض، لكنه في عالم السياسة ليس كذلك. فالدول تعلن أولوياتها بما تقوله، كما تكشفها أيضاً بما تتوقف عن قوله. وعندما يغيب لبنان عن الخطاب الإيراني بعد سنوات طويلة من حضوره الدائم، يصبح الصمت نفسه رسالة سياسية تستحق التوقف عندها.
هذا التحول لا يمكن فصله عن الوقائع الجديدة في المنطقة. فشبكات الإمداد التي بنت عليها إيران نفوذها تعرضت لضغوط كبيرة، والقدرة على تمويل وإدارة الساحات الخارجية أصبحت أكثر تعقيداً، فيما انتقلت طهران من سياسة توسيع النفوذ إلى سياسة المحافظة على ما تبقى منه.
في المقابل، بدأ لبنان يستعيد خطاب الدولة. فالعناوين التي تتصدر المشهد اليوم هي السيادة، وحصرية السلاح بيد الدولة، ودعم الجيش، والإصلاح المالي، وإعادة بناء العلاقات مع العالم العربي والمجتمع الدولي. وهي عناوين تختلف جذرياً عن الخطاب الذي حكم الحياة السياسية اللبنانية طوال سنوات.
ولعل زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن لم تكن مجرد محطة بروتوكولية، بل شكلت نقطة تحول في النظرة الدولية إلى لبنان. فالرسالة التي خرجت من البيت الأبيض كانت واضحة”هناك قرار بدعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها، لا دعم أي مشروع موازٍ لها”. ومنذ ذلك التاريخ، بدا وكأن لبنان بدأ ينتقل تدريجياً من كونه ورقة إقليمية إلى كونه دولة يُراد إعادة تثبيت استقرارها وسيادتها.
صحيح أن النفوذ الإيراني داخل لبنان لم ينتهِ، وأن حزب الله لا يزال يمثل لاعباً أساسياً في المعادلة الداخلية، إلا أن البيئة الإقليمية التي سمحت لهذا النفوذ بالتمدد لم تعد كما كانت. فالمعادلات التي حكمت المنطقة بعد عام 2003، ثم بعد عام 2011، تشهد اليوم إعادة صياغة عميقة، عنوانها تقليص نفوذ الميليشيات وتعزيز دور الدول.
لهذا، فإن خروج لبنان من الخطاب الإيراني قد يكون أحد أوائل المؤشرات على تغير أكبر لم تتضح كل ملامحه بعد. فحين تتوقف طهران عن تقديم لبنان باعتباره إحدى أهم أوراقها السياسية، فهذا يعني أن قيمة هذه الورقة في الحسابات الإقليمية لم تعد كما كانت.
ربما لم يصدر إعلان رسمي يقول إن لبنان خرج من دائرة النفوذ الإيراني، لكن السياسة لا تُقرأ بالبيانات وحدها، بل أيضاً بالإشارات، وبالصمت، وبالأولويات. وفي هذا السياق، قد يكون غياب لبنان عن الخطاب الرسمي الإيراني منذ لقاء ترامب وجوزاف عون واحداً من أكثر المؤشرات دلالة على أن مرحلة جديدة بدأت بالفعل، عنوانها انتقال لبنان من زمن المحاور إلى زمن الدولة، ومن موقع الساحة إلى موقع الوطن صاحب القرار.

