اخبار لبنان - Lebanon News

مفاوضات روما… كلّ الطرق تؤدي إلى السلام

لم تعد المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية تدور حول كيفية تثبيت وقف إطلاق النار فحسب، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيدًا عنوانها البحث في آليات التنفيذ. وهذا التحول بحد ذاته يشكل مؤشرًا إلى أن المجتمع الدولي قرر الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة إنتاج حل تدريجي، ولو أن الطريق لا يزال طويلا ومحفوفًا بالألغام السياسية والأمنية.

لا يبدو اختيار روما مجرد تفصيل لوجستي. الولايات المتحدة، التي تقود المسار السياسي والأمني، أرادت أن تنقل المفاوضات إلى محطة تحمل أيضًا بعدًا سياسيًّا ورمزيًّا في آن واحد. فالعاصمة الإيطالية، التي تحتضن الكرسي الرسولي، لطالما كانت مساحة يلتقي فيها العمل الدبلوماسي مع الدعوات إلى السلام، فيما يواصل الفاتيكان التأكيد أن استقرار لبنان جزء من استقرار المنطقة، وأن قيام الدولة يبقى المدخل الطبيعي لأي سلام دائم.

ويأتي ذلك بعدما دخلت الدولة اللبنانية مباشرة إلى قلب العملية التفاوضية بعد زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، مع تعيين الرئيس جوزاف عون السفير السابق سيمون كرم مفاوضًا سياسيًّا في “الميكانيزم”. ولم يعد النقاش يقتصر على تثبيت الهدنة، بل توسع ليشمل الملفات الأمنية والتقنية التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة. الاجتماعات لم تعد سياسية فقط، بل باتت تبحث في التفاصيل التنفيذية التي تسبق أي تفاهمات أوسع.

وتكشف معلومات “نداء الوطن” أن اجتماعات روما تسير بالتوازي مع لقاءات أمنية تعقد في اليرزة وبعبدا، في إطار تنسيق كامل بين المسارين السياسي والعسكري. ويتركّز البحث على المناطق التجريبية التي يفترض أن تكون الاختبار الأول لنجاح أي تفاهم، على أن يتوسع التنفيذ تدريجيًّا إذا أثبتت المرحلة الأولى فعاليتها.

غير أن الطريق لا يزال مليئًا بالعقبات. فـ”حزب الله” يرفض الانسحاب من المناطق المطروحة للتجربة قبل الحصول على ضمانات سياسية، فيما تصرّ إسرائيل على أن أي تقدم يبدأ أولا بانسحاب “الحزب”. وبين هذين الموقفين، تواصل واشنطن جهودها لمنع سقوط المفاوضات، انطلاقًا من قناعة بأن نجاح المرحلة الأولى سيمنح العملية التفاوضية زخمًا يصعب وقفه، فيما سيؤدي فشلها إلى إعادة الجميع إلى نقطة البداية.

لن يكون اجتماع روما محطة لإعلان اتفاقات نهائية، بل سيؤسس لإطلاق لجان متخصصة تتولى الملفات الأمنية والعسكرية والتقنية، بما يحوّل التفاوض من اجتماعات عامة إلى عمل مؤسساتي متواصل. وهذا بحد ذاته يعكس انتقال الملف إلى مرحلة أكثر جدية، حيث تصبح التفاصيل التنفيذية هي المعيار الحقيقي لقياس التقدم.

ويؤكد مصدر رسمي لـ”نداء الوطن” أن روما ليست سوى محطة في رحلة طويلة نحو السلام، وأن الرهان الحقيقي ليس على اجتماع واحد، بل على استمرارية المسار وقدرته على تجاوز الأزمات الإقليمية. ويعتبر المصدر أن التطورات العسكرية في المنطقة تبقى العامل الأكثر حساسية، إذ إن أي تصعيد جديد ضد إيران قد ينعكس مباشرة على لبنان إذا قرر “حزب الله” الانخراط في مواجهة تحت عنوان إسناد طهران، وهو ما من شأنه أن يجمّد المفاوضات ويعيد الجنوب إلى دائرة المواجهة.

لا ينبغي تحميل روما أكثر مما تحتمل. فهي ليست محطة الحسم، لكنها قد تكون بداية مسار مختلف إذا توافرت الإرادة السياسية واستمر الدعم الدولي. فالتفاوض، مهما طال، يبقى أقل كلفة من الحروب، والدولة، مهما واجهت من عراقيل، تبقى الإطار الوحيد القادر على إنتاج الاستقرار. أما السلام، فلن يولد من اجتماع واحد، بل من تراكم خطوات صغيرة تنقل لبنان تدريجيًا من منطق الجبهات المفتوحة إلى منطق الدولة صاحبة القرار، لأن كل طريق نحو الاستقرار يبدأ عندما تصبح الكلمة للدولة وحدها، لا للسلاح ولا للمحاور الإقليمية.

ألان سركيس – نداء الوطن

زر الذهاب إلى الأعلى