اخبار لبنان - Lebanon News

“القرض الحسن” و”جود” رئتا “الحزب”… إلى التحقيق

فيما ينشغل العالم بمسوّدة الاتفاق الأميركي – الإيراني، يتواصل في لبنان مسار “بناء الدولة”. وفي موازاة التطورات السياسية، تبرز خطوة قضائية جديدة يُتوقع أن تفتح باب مواجهة إضافية بين الدولة و”حزب الله”، نظرًا إلى حساسية الدور الذي تؤديه مؤسسات مالية تعمل ضمن بيئته الاجتماعية والاقتصادية.

فقد أحال وزير العدل عادل نصار إلى النيابة العامة التمييزية، منتصف الأسبوع الماضي، كتابًا يطلب فيه إجراء تحقيق في ملف الشركات المالية التي تعمل خلافًا للقوانين وتتجاوز التراخيص المعطاة لها أو تعمل من دون تراخيص، ولا سيما نشاطات “مؤسسة القرض الحسن” و”شركة جود”، على خلفية معطيات داخلية وخارجية تتعلق بطبيعة عمل المؤسسة ومصادر تمويلها وآليات نشاطها المالي.

وفقًا لمصادر وزارة العدل، تأتي خطوة الوزير نصار في سياق تطبيق القوانين المرعية الإجراء، وبعد أكثر من ثلاثين عامًا من حالة “إنكار” مزمنة لواقع بعض الممارسات القانونية. وتشدد المصادر على أن القضاء يتمتع اليوم باستقلالية واضحة، ولا يجوز استباق عمله، إذ تندرج مهام وزير العدل ضمن إطار إحالة الملفات إلى النيابة العامة المختصة، وطلب التحرّك القانوني للتحقيق، من دون أن يكون له أي دور في إصدار الأحكام أو تحديد ما إذا كانت هناك مخالفات قانونية من عدمه.

وتوضح المصادر أن كتاب وزير العدل إلى النيابة العامة يندرج ضمن صلاحياته الإدارية، وقد تضمّن طلبًا بالتحقيق في أنشطة عدد من الشركات التي يُشتبه في عملها خارج الإطار القانوني، ومنها “القرض الحسن” و”شركة جود”، على أن تتولى النيابة العامة إجراء التحقيقات واتخاذ القرارات المناسبة وفقًا لما ستنتهي إليه المعطيات والوقائع.

وتؤكد مصادر وزارة العدل أن المرحلة الحالية تعكس تغيّرًا في مناخ العمل القضائي باتجاه تعزيز الاستقلالية بصورة أكبر بكثير مما كان عليه سابقًا، مع تراجع واضح للتدخلات السياسية التي كانت تطبع مراحل سابقة من عمل القضاء.

وردًا على سؤال “نداء الوطن” عما إذا كانت هذه الخطوة “كرة نار” تُرمى بين يدي القضاء، شددت مصادر وزارة العدل على أن ما يجري هو تفعيل طبيعي لمبدأ تطبيق القانون، إذ يُترك للنيابة العامة اتخاذ القرار المناسب بعيدًا من أي ضغوط أو اعتبارات سياسية.

وكان الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم قد حذّر في 25 أيار 2026 من أي مساس بعمل مؤسسة “القرض الحسن”، وقال إن أي بحث أو إجراء ضد المؤسسة سيواجَه بقوة، ومن حق الناس أن تنزل إلى الشوارع وتسقط الحكومة وتسقط المشروع الأميركي – الإسرائيلي، وإن “الحزب” سيواجه الذين يريدون إقفال المؤسسة “على أنهم إسرائيليون”.

وردًا على سؤال حول وجود تخوّف من أي خطوة في الشارع، شددت مصادر وزارة العدل لـ”نداء الوطن” على أنه لا يمكن ربط أي مسار قضائي بمواقف سياسية، إذ إن تحويل الخلافات إلى اعتبارات سياسية من شأنه أن يعرقل مسار بناء الدولة، وقالت: “كما أن معالجة ملف السلاح تبقى سياسية، فإن معالجة أي خرق قانوني هي من اختصاص القضاء حصرًا، وإن وزير العدل لا يقرر الإدانة أو النفي، بل يحيل الملف إلى القضاء المختص الذي يتولى وحده التحقيق واتخاذ القرار، بما يعكس احترامًا كاملًا لاستقلالية القضاء”.

وأكدت مصادر موثوقة، أن مدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج تسلّم كتاب وزير العدل، وهو عبارة عن طلب غير مرفق بأي مستندات، وسيقوم بدراسته في اليومين المقبلين لاتخاذ الإجراءات المناسبة.

مع الإشارة إلى أن مصرف لبنان كان قد أصدر تعميمًا في 14 تموز عام 2025 رقم 170، حظر فيه على “المصارف والمؤسسات المالية المرخصة أي تعامل مباشر أو غير مباشر مع مؤسسة القرض الحسن”، فضلا عن أن هذه المؤسسة تخضع لقانون الجمعيات، ولم يصدر حتى الآن أي قرار حكومي بسحب الترخيص منها.

إلا أن مصادر معنية رفيعة المستوى توقعت لـ”نداء الوطن” أن يتم التريث في هذا الملف من الجهات والأطراف كافة، حكومية وقضائية، لأسباب عدة نظرًا إلى دقة المرحلة وخطورة تفجير البلد.

يأتي تحرك وزير العدل في إطار محاولة لبنان تجنب الانتقال من اللائحة الرمادية إلى مرحلة أكثر تشددًا، هي اللائحة السوداء، وعشية انعقاد اجتماعات مجموعة العمل المالي (FATF) السنوية في باريس، التي بدأت في 15 حزيران وتستمر حتى 19 منه. وعلى الرغم من أن المطالب بإغلاق “القرض الحسن” دولية ولم تتوقف يومًا، فإن هذا المطلب بات جزءًا من الورقة الأميركية الحالية، كون هذه المؤسسة تشكّل ذراع الحزب المالية.
“القرض الحسن” و”جود”

تأسست جمعية “مؤسسة القرض الحسن” في لبنان عام 1982 في منطقة حارة حريك، في ضاحية بيروت الجنوبية، في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ورُخّصت رسميًا عام 1987 من قبل وزارة الداخلية اللبنانية. ارتبطت بشكل وثيق بـ”حزب الله”، وتحولت مع الوقت إلى أداة تمويل أساسية له، وإحدى أهم أذرعه الاقتصادية والاجتماعية. وقد توسعت فروعها لتصل إلى نحو 40 فرعًا. وخلال الحرب الأخيرة، استهدفت إسرائيل عددًا من فروع ومقار “القرض الحسن” في بيروت والضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب، وبعضها في مناطق لا تُعد تقليديًا ذات غالبية شيعية، فدمّرت 30 فرعًا. ورغم ذلك، واصلت المؤسسة عملها، كما أعادت ترميم بعض فروعها المتضررة.

أما مؤسسة “جود” المالية التي ظهرت عام 2025، فهي مؤسسة تجارية تخضع للقانون التجاري، وقد جاءت بديلا عن “القرض الحسن” ككيان مالي يشكّل امتدادًا أو إعادة هيكلة لنشاطات “حزب الله” المالية تحت اسم جديد، وذلك في ظل الضغوط والعقوبات المفروضة على المؤسسات غير المصرفية.

عقوبات أميركية

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد فرضت عقوبات على مؤسسة “القرض الحسن” في 24 تموز عام 2007، معتبرة أنها تُستخدم لإدارة النشاطات المالية لـ”الحزب” وتأمين وصوله إلى النظام المالي الدولي. كما وسّعت واشنطن لاحقًا دائرة العقوبات لتشمل مسؤولين وكيانات مرتبطة بالجمعية.

كذلك فرضت الولايات المتحدة، في شباط عام 2026، عقوبات على مؤسسة “جود” لتجارة الذهب، المرتبطة بالقرض الحسن، قائلة إنها تُستخدم لضمان تدفق الأموال إلى “حزب الله” من إيران، ومتهمة إياها بـ”تجميع” العملات الأجنبية لـ”تمكين حزب الله من بناء قاعدة داعمة له”.

وأمام هذا الواقع، تبدو الدولة اللبنانية أمام استحقاق مفصلي لا يتعلق فقط بملف مالي أو إجراء قضائي بعينه، بل بمسار أوسع لإعادة ترسيخ منطق المؤسسات. فأساس الدولة السليمة يبدأ من قضاء فعّال ومستقل، يتجاوز التهديدات بالتخوين وبالانقلاب على الحكومة أو بتحريك الشارع!

زر الذهاب إلى الأعلى