featuredالشرق الاوسط والعالمخاص جديدنا

الصواريخ الفرط صوتية والذكاء الاصطناعي والتحول في موازين الحرب بين إسرائيل وإيران

إعداد: محمد محمود لوباني

المقدمة
بادرت إسرائيل، بمباغتة إيران في ١٣ حزيران ٢٠٢٥ بقصف منشآت عسكرية ونووية مما أدى إلى قتل مسؤولين عسكريين رفيعي المستوى، من علماء ذرة وشخصيات سياسية، وإصابات كثيرة في صفوف المدنيين بين قتيل وجريح. لقد أدى القصف الإسرائيلي إلى إلحاق الضرر وتدمير الدفاعات الجوية. ردت إيران عبر إطلاق ٥٥٠ صاروخاً بصواريخ نوع فتاح وأكثر من ١٠٠٠ مسيرة. طالت المقذوفات ما لا يقل عن ١٢ موقعاً عسكرياً، حكومياً ومنشآت للطاقة، كما لحقت اضرار جسيمة بمعهد وايزمان المسؤول عن الدراسات في العلوم الحيوية والنووية والكمبيوترية في إسرائيل كما إنه يقدم الخدمات للجيش الإسرائيلي في أبحاثه العسكرية والاستراتيجية. تدخلت الولايات المتحدة الأميركية، موجهة نيرانها، بتاريخ ٢٢ حزيران، على ٣ مواقع نووية: نطنز، فوردو وأصفهان. ردت إيران على هذه الضربات بضرب قاعدة العديد الجوية الأميركية في قطر. وافقت كل من إسرائيل وإيران، في النهاية، بتاريخ ٢٤ حزيران ٢٠٢٥، على وقف إطلاق نار فرضته الولايات المتحدة الأميركية.

استعملت إيران في قصفها إسرائيل صواريخ نوع فتاح فرط صوتية، سرعتها تتراوح بين ١٣ و١٥ ماخ، بالرغم من تشكيك القوى الغربية من فعاليتها أو كونها فرط صوتية ومجهزة بالذكاء الاصطناعي. لكن ما لبثت أن تكشفت الحقائق فيما بعد عن اضرار كبيرة قد لحقت بإسرائيل. أما إسرائيل فقد استخدمت الذكاء الاصطناعي في قصفها وفي حربها السيبرانية التي طالت وسائل الإعلام، المصارف والمباني الحكومية، مما دفع السلطات الإيرانية إلى فرض قيود معينة على استخدام الإنترنت ضمن أراضي الجمهورية الإسلامية.

تستدعي هذه الحرب التي سماها الإسرائيليون معركة الأسد الصاعد، والايرانيون الوعد الصادق ٣، الانتباه،
أولاً: لأنها الأولى من نوعها بين إسرائيل وإيران مباشرةً.
ثانياً: نظراً إلى نوعية السلاح والتقنيات المستعملة على وجه الخصوص الصواريخ فرط صوتية والذكاء الاصطناعي.
ثبت أن هذه التقنيات لم تعد حكراً على القوى العظمى التي تمتلك جيوشاً كبيرةً، بل أصبحت بمتناول الجميع فعلياً. واليوم تعاد الكرة مع الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، وتوسع دائرة النزاع لتشمل الشرق الوسط كله تقريبا، حيث يشتد القصف الصاروخي الإيراني مقابل غارات عنيفة ينفذها الطيران الأميركي والإسرائيلي على مختلف أرجاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

مما يقودنا هذا الأمر إلى طرح الإشكالية التالية: هل يمكننا القول بأن الصواريخ الفرط صوتية والذكاء الاصطناعي قد أحداثا تحولاً في موازين الحرب بين إسرائيل وإيران؟

القسم الأول: مفاعيل الصواريخ الفرط صوتية

تشكل ترسانات الصواريخ الفرط صوتية التي تدأب الجمهورية الإسلامية الإيرانية على بنائها وتطويرها خطراً جديداً وجدياً على أرض المعركة الاسرائيلية الإيرانية. لكن لا يمكننا أن نجزم أن الصواريخ من طرفي النزاع هي فرط صوتية مناورة لأنه لا يتضمن أي منها مركبة انزلاقية فرط صوتية ذات قدرة على المناورة كما هي الحال في الصواريخ فرط الصوتية الصينية أو الروسية، ولا صواريخ جوالة فرط صوتية.

بناءً عليه، سنوجز الميزات الأساسية للصواريخ الفرط صوتية مع مقارنة سريعة، من حيث المبدأ مع تلك التي في المستودعات الإيرانية والإسرائيلية.

أولا: تعريف الصواريخ فرط الصوتية
يمكن تعريف الصواريخ فرط الصوتية بأنها صواريخ تفوق سرعتها ال ٥ ماخ، أي ما يتخطى ال ٦٠٠٠ كلم/س. تنقسم هذه الفئة من الصواريخ إلى نوعين،
أولاً: المركبات الانزلاقية الفرط صوتية.
ثانياً: الصواريخ الجوالة فرط الصوتية.
عندما تحمل الصواريخ البالستية المركبات الانزلاقية فرط الصوتية محلقةً على سرعات تستطيع أن تصل إلى ٢٠ ماخ، تنفصل المركبة الانزلاقية عن صاروخها خلال مرحلة الصعود وتدخل الغلاف الجوي العلوي الذي يبعد ٥٠ كلم عن سطح الأرض. بعدها تكمل طيرانها نحو الهدف المراد ضربه، معتمدةً مسرى غير قابل للتوقع عاملةً على التبديل بين مراحل بالستية وقيام بمناورات تارةً قافزة وطوراً انزلاقية. تهدف هذه الملاحة في تلك المركبات إلى ابقائها على أمدية مرتفعة لا يقع ضمن مدى تغطية الدفاعات الجوية. بعدها، ولأنها تفتقر إلى دفع نشط تعمل على التخفيف التدريجي من اندفاعتها لأن وتيرتها من القفزات مرتفعة. وإن تبقى لها طاقةً وافية في المرحلة النهائية، تنفذ مناورات تضليل لتصل إلى هدفها مفشلةً أنظمة الاعتراض المعادية.

أما الصواريخ الجوالة الفرط صوتية من جهتها تطير مستعملةً دفعها الخاص. ولكي يدخل الصاروخ الجوال نمطه الهجومي، يجب أن يبلغ سرعةً عالية، مستفيداً من معزز مضاف عليه وأن يستقر على ارتفاعات تتيح له تخزين الأوكسجين. فإذا راعى الصاروخ هذين الشرطين يمكنه عندها مناورة عالية السرعة متوجهاً نحو هدفه منقضاً عليه.

تتميز الصواريخ الفرط صوتية بالقدرة على الملاحة والتوجيه المستقلين في بيئة متنازع عليها، بحيث أنها قادرة على العمل دون الاعتماد على إشارات نظام الملاحة العالمي العامل بدوره على الأقمار الاصطناعية، إذ إن تلك الإشارات قد يتم التشويش عليها، هنا يأخذ القصور الذاتي الذي يؤمنه الذكاء الاصطناعي مداه، يضاف إلى ذلك بعض التقنيات المتقدمة الأخرى.

ثانيا- الصواريخ الإيرانية والإسرائيلية
تتعدد أنواع الصواريخ بين الجمهورية الإسلامية في إيران والدولة العبرية. فهي بالأصل باليستية لكن تتخطى سرعاتها ال 5 ماخ، مما يجعل الخبراء العسكريين يؤكدون انها تحمل مزايا الصواريخ فرط الصوتية من حيث السرعة.

1- الصواريخ الإيرانية
تسعى إيران بشكل لافت إلى التطوير الدائم لقدراتها الصاروخية، كما ونوعا بسبب ضعف قدراتها الجوية فهي لا تملك طائرات ومقاتلات حديثة تسمح لها بالمنافسة. لذا تعتمد على الصواريخ والمسيرات، خصوصا الصواريخ البالستية لمواجهة ضعف استراتيجي معين، ولتعزيز أمنهم الإقليمي، وبتعبير آخر على ضعف عسكري له تبعات استراتيجية أكيدة. بالتالي تساهم الصواريخ في التعويض عن نقص جوي أو تقليدي، الامر الذي يتطابق مع مفهوم الردع الإقليمي، بحيث يتجلى الردع الإقليمي في قدرة الدولة على منع هجوم عبر تهديدها برد موثوق في جوارها الإستراتيجي، أي في نزاع موضعي قريب عبر استعمال كثيف لقواتها التقليدية مثال على ذلك التهديدات الإيرانية بقصف كل قواعد الأميركيين في جوارها الإقليمي الإستراتيجي، ذلك على خلاف الردع العالمي الذي يهدف إلى تحييد التهديدات على نطاق واسع عبر استعمال السلاح النووي أو الحملات العسكرية البعيدة المدى، أما الردع العالمي فهو التهديد مثلا باستعمال الصواريخ البالستية العابرة للقارات والتي يمكن أن تحمل رؤوسا نووية.

من جهته، يشرح بهنام بن طالبو في دراسة قام بها أن الصواريخ البالستية قي قلب استراتيجية الأمن الإيرانية ومهمته ردع الهجمات ونشر التأثير الإستراتيجي.

أما السؤال عن الترسانة الصاروخية البالستية الإيرانية وما هي خصائصها الإستراتيجية التي تجعل من هذه الدولة البعيدة عن اسرائيل نسبيا أن تمطرها بهطلات كبيرة من الصواريخ؟ يذكر أن المسافة الأقرب حسابيا بينهما هي 1724،48 كلم.

لن نغوص في التفاصيل التقنية المملة ربما للكثير من القراء، إنما نرمي من تعدادنا لتلك الصواريخ الدلالة على ميزتها التي تجعل منها فرط صوتية من حيث سرعتها، تجدر الإشارة إلى أنها كلها بالستية متوسطة المدى.

يتميز صاروخ شهاب-٣ بسرعةٍ تتراوح بين ٧ و٩ ماخ ومدى يتراوح بين ١٣٠٠ و٢٠٠٠ كلم. وهو اعتمد في تصميمه على صاروخ نودونغ الكوري الشمالي. أما قادر، من جهته، فهو صاروخ محسن يتراوح مداه بين ١٦٠٠ و١٩٥٠ كلم، وسرعته بين ٩ و١٠ ماخ. بالنسبة لعماد، فهو مجهز برأس حربي ذو توجيه نهائي مع مناورة، يتراوح مداه بين ١٧٠٠ و٢٠٠٠ كلم. أما سرعته، فهي ما بين ٩ و١٠ ماخ تقريباً.

فيما يخص سجيل، فيتراوح مداه بين ٢٠٠٠ و٢٥٠٠ كلم، يعمل بالوقود الصلب وسرعته تتراوح بين ١١ و١٣ ماخ تقريباً. خورمشهر هو صاروخ ثقيل يبلغ مداه ما بين ٢٠٠٠ و٣٠٠٠ كلم تقريباً وسرعته ما بين ١٠ و١٢ ماخ تقريباً. فيما يرتبط بخيبر شكن يبلغ مداه ١٤٥٠ كلم تقريباً وسرعته بين ٨ و١٠ ماخ تقريباً ولا يستغرق إرباضه وقتاً طويلاً. بالنسبة لصاروخ فتاح يعتبر فرط صوتي وهو مناور، يبلغ مداه ١٤٠٠ كلم تقريباً مع سرعة تتراوح بين ١٣ و١٥ ماخ.

وفي سياق مرتبط، كشف النقاب، في شهر شباط الماضي، عن صاروخ جديد هو تطوير لخرمشهر ويدعى خرمشهر٤، يبلغ مداه ٢٠٠٠ كلم، تم تجهيزه برأس حربي مناور بزنة ١٥٠٠ كلغ، تتراوح سرعته بين ٨ ماخ داخل الغلاف الجوي و١٦ ماخ خارجه. تم الكشف عن هذا الصاروخ الجديد مع إعلان الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن تغيير عقيدتها بحيث انتقلت هذه الأخيرة من دفاعية إلى هجومية.

2- الصواريخ الإسرائيلية
بشكل موجز، تتوزع الصواريخ الإسرائيلية على عائلتين: لورا وجيريكو. لورا مجموعة من الصواريخ يتراوح مداها بين ٩٠ كلم و٤٣٠ كلم تزن ١٦٠٠ كلغ. صممت لتضرب بدقة مجموعة واسعة من الأهداف منها مراكز القيادة والبنى التحتية العسكرية والقواعد الجوية. لم تكشف السلطات العسكرية الإسرائيلية عن سرعته. أما بالنسبة لصواريخ جيريكو، فستنفى صواريخ نوع جيريكو ٢ هذا العام لتحل محلها صواريخ نوع جيريكو ٣ وجيريكو ٤.
بالرغم من عدم توفر معلومات كثيرة عن النموذجين ٣ و٤ إلا أنه يعتقد أن مدى النموذج جيريكو 3 يتراوح بين ٤٨٠٠ كلم و٦٥٠٠ كلم. بحسب تقرير رسمي رفع إلى مجلس الشيوخ الأميركي، من المحتمل أنه، بواسطة رأس حربي بزنة طن واحد أن يعطي جيريكو ٣ إسرائيل قدرات نووية تسمح لها بتوجيه ضربات ضمن كامل منطقة الشرق الأوسط، إفريقيا، أوروبا، آسيا بالإضافة إلى شمال أميركا بالكامل وأجزاء واسعة من جنوب أميركا وشمال اوقيانيا.

3- إيران من الردع إلى الهجوم
أصدر مجلس الدفاع الإيراني الحديث العهد في ٦ كانون الثاني الماضي تصريحاً مقتضباً، أحدث موجةً من الأخذ والرد. فقد أعاد المجلس موقف إيران الثابت على عدم سعي إيران للحرب، إلا أنه أشار إلى أن الجمهورية الإسلامية” لا تعتبر نفسها مقيدة برد الفعل بعد وقوع العمل فحسب، بل تعتبر المؤشرات الملموسة للتهديد جزءا من المعادلة”. تحاشت إيران أي إشارة واضحة إلى الضربة الاستباقية، إلا أن هذا التصريح يوسع بشكل دقيق جداً التعريف الإيراني للدفاع المشروع عن النفس.

يأتي هذا التصريح بعد أن ضاعفت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل الإشارات والتلميحات بشأن ضربات مستقبلية محتملة، وذلك خلال الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن في اواخر كانون الأول المنصرم. على خط موازن، بحسب المعلومات الواردة من طهران، أن المسؤولين الأمنيين يشعرون بالقلق عقب عملية خطف الرئيس فنزولي نيكولاس مادورو، مما عزز المخاوف لدى طهران من عمليات اغتيال أو خطف تطال المسؤولين الإيرانيين من الصف الاول.

بَنت إيران، على امتداد عقود، مفهوم الردع الصاروخي لديها على منطق الضربة الثانية، معتمدةً على قدراتها الصاروخية وقدرتها على التصعيد الإقليمي، مشددةً على أنها لن تكون هي المبادرة في أي صراع. إلا أن هذا التصريح الجديد لمجلس الدفاع الإيراني يطرح تساؤلات جمة حول التبديل في العقيدة الدفاعية الإيرانية من جهة، ومن جهة ثانية، حيال معرفة ما إذا كان قد عزز الردع أم خطر التصعيد.

في شرح بسيط للتصريح، يمكننا أولاً استنباط أنه يؤدي وظائف أو يخدم أهدافا عدة متزامنة، البعض منها علني واضح، والبعض الآخر خفي غير معلن، ضمن إطار قانوني ونظري معين. ثانياً إن الموقف الأخطر والحمال للعواقب قد تمت صياغته بتأنٍ، إذا قد تعني جملة “لا تعتبر نفسها مقيدة برد الفعل بعد وقوع العمل فحسب بل تعتبر المؤشرات الملموسة للتهديد جزءا من المعادلة” أن إيران قد لا تنتظر ضربةً لتعتبر اللجوء إلى القوة الدفاعية مشروعاً. لكن مسؤولو المجلس لم يستعملوا المفردات التي تجعل هذا التبديل في الموقف ساطعاً لا لبس فيه.

لا يخرج النص عن المقاربة الإيرانية المعهودة حيال الخطوط الحمراء وإذ أعاد تأكيد أن أمن إيران، واستقلالها ووحدة اراضيها ليست للمساومة ويحذر من أن أي اعتداء أو استمرار للسلوكيات العدائية سيقابل برد مناسب قاطع وحاسم. يدخل أيضاً عتبة إنذار واسعة وهي المؤشرات الملموسة للتهديد. سيعتبرها المسؤولون المعنيون تحديات واستفزازات تبرر فعلاً من الجانب الإيراني.
واللافت في هذا التصريح أن إيران لم تشر إلى أي استباق، ولا تتوعد بأي ضربة وقائية ولا تحدد أي أهداف ولا عتبات ولا أي مهل زمنية، كما أنها لم تحدد ما يشكل مؤشراً ملموساً. يبدو هذا الغموض مقصوداً ويبقي لطهران هامشاً واسعاً لتكييف ردودها بحسب كل حالة على حدة. يظهر وكأنها محاولة لتوسيع هامش المناورة في مجال الدفاع أكثر من كونها توجيهات عملية. لا شك في أنها رسالة قوية وبصورة غامضة قصداً لتوسيع هامش المناورات الإيرانية مع الحفاظ على مظاهر ضبط النفس.

يبرر بالتالي هذا التصريح لمجلس الدفاع الإيراني سعي إيران لتطوير وتعزيز ترسانتها البالستية وسائر تجهيزاتها العسكرية. فهو بحدته لا يحدث تبديلاً دراماتيكياً في السلوك الإيراني بل مساعداً لها على إكمال ما بدأته للدفاع عن نفسها؛ إنه مهم، بالطبع، من ضمن سعيها لإظهار قوتها تجاه إسرائيل أم تجاه الدول المجاورة لإيران والتي تقيم علاقات وطيدة مع الأميركيين، والتي أيضاً تستقبل على اراضيها قواعد أميركية.

رافق هذا التصريح الظهور العلني للصاروخ خرمشهر٤ والذي يبلغ مداه كما أسلفنا ٢٠٠٠ كلم. مما يعني أنه حتى في خضم التهديد والوعيد الاسرائيلي الأميركي المشترك والمواقف الأوروبية الحادة إلا أن الصناعات العسكرية الإيرانية ما زالت تلتزم بالردع الإقليمي بحيث لم تتبدل الأمدية وبقيت على ما هي عليه للدلالة على أن إيران لا تسعى للهجوم والخروج خارج المنطقة التي هي فيها، إنها رسالة قوية للخارج.

القسم الثاني: الثبات في الموازين
تتضافر أسباب عديدة لتبقى الموازين على حالها بالإجمال. ولا بوادر لتحسينها من الجانب الإيراني، لذا تبقى التكلفة الباهظة في صميم الردع الإيراني، أما إسرائيل من جهتها فهي تسعى إلى تعزيز موقعها العسكري لأنها تدرك جيدا حساسية الوضع في المنطقة، خصوصا السعي الإيراني الدائم إلى محوها عن الخريطة، بحيث يعتبره قادتها الخطر الأشد عليها وذهب بنيامين نتنياهو إلى اعتبارها خطرا وجوديا.
أولا- أهداف الردع الصاروخي الإيراني
تعتبر عملية المواجهة بالصواريخ ليس هدفاً لنصر عسكري تقليدي بالمعنى العسكري المتعارف عليه، لأن إيران تدرك حجم صعوبته في مواجهة تحالف ضخم من قوى متفوقة تكنولوجيا، لكن تكمن العملية في خلق مجازفة إستراتيجية غير مقبولة بالنسبة للخصم. يعتمد هذا المنطق على 3 محاور مستقلة بعضها عن البعض الآخر.

1- من الضعف إلى الرافعة الإستراتيجية
أولاً، تسعى إيران إلى تحويل ضعفها إلى رافعة إستراتيجية. إن إيران تشكو من ضعفٍ في قواتها الجوية لأن طائراتها قديمة كما أنها تعاني من ضعفٍ في قواتها البحرية مقابل الولايات المتحدة كما أنها محاطة بالقواعد الأميركية المنتشرة في كل الدول المحيطة بإيران، ناهيك عن التفوق التكنولوجي الإسرائيلي. وعليه تبدو الصواريخ رداً قليل التكلفة مقارنةً مع قوات جوية حديثة. يضاف إلى ذلك أن الصواريخ قادرة على إحداث تدمير سريع كما أن القدرة الصاروخية من الصعب أن تحيد بالضربات الاستباقية، فتصبح الصواريخ عوامل معادلة إستراتيجية.

2- القدرة على الإيذاء
من جهة ثانية يرتكز الردع الإيراني على نظرية القدرة على الإيذاء. يقول توماس شللينغ إن القدرة على الإيذاء هي قدرة تفاوضية ويشرح أيضاً كيف أن الردع هو الضغط على النوايا ليس فقط تقييم نوايا العدو بل أيضاً التأثير عليها. لذا إذا كان التهديد مقنعاً، قد يردع المعتدي. بالنسبة لإيران، قد يكون ذلك صالحا إذ أنها أعلنت مراراً عن نيتها بقصف مواقع على أراضي جيرانها وقد قامت بقصف قاعدة الأميركية في قطر وقصفت اسرائيل في العمق لذا أثبتت أن تهديداتها جدية. فإذا نفذت ضربات مؤلمة ضد المصافي فقد يؤدي ذلك إلى أزمة نفطية، وإذا أقدمت على ضرب قواعد أميركية فهناك قتلى وجرحى من القوات الاميركية مما قد يقود إلى ضغوط داخلية في الدول التي استهدفت كما ستترتب نتائج في الداخل الأميركي وإن ضربت المراكز الاقتصادية سيهتز الاستقرار المالي. وفي المحصلة فإن الحرب تمسي سياسيا مكلفة على الدول التي تضرب إيران بما في ذلك إسرائيل. ثالثا يمكن بصواريخها ان تعمل إيران على إرساء نوع من الردع من خلال الاستفادة من الهشاشة في المنطقة. يعد الخليج من المناطق الأكثر حساسية في العالم من حيث الطاقة، إذ انها تتضمن كثافة من البنى التحتية النفطية وطرقا بحرية إستراتيجية ونقاط تصدير قريبة من الشواطئ. فأي رشقة صاروخية يمكن ان تزعزع السوق النفطية العالمية، وان تولد ارتفاعاً كبيرا في الأسعار وان تحدث أزمة اقتصادية عالمية. لذا، يمكن ان نستنتج أن الردع الإيراني يدخل هذه المعادلة التي يمكن أن نصفها بالبنيوية. فالعام 2025 شهد رمايات كثيفة وغزيرة للصواريخ والمسيرات على إسرائيل أكان في نيسان أن في حرب الأيام ال 12. قد لا يكون الهدف الدقة المطلقة بل المراهنة على حجم الضربات (من حيث غزارة الرمايات وتركيزها وأنواع الصواريخ المستخدمة)، التزامن في الضربات وتحميل الدفاعات الجوية والصاروخية المعادية أكثر من طاقتها، ذلك أن أي نظام صاروخي له حدود في مواجهة الرمايات العديدة والمركزة. نرى بالتالي أن مصداقية الردع ترتكز على قدرة تنفيذ الضربة الثانية، قدرة القاذفات على البقاء والانتشار الجغرافي المبعثر والمتمتع بقدرة استبدال المواقع.

في المنطق الإيراني يذكر من بين جملة الأهداف التي تخدمها الصواريخ البالستية الردع النفسي والعسكري، بحيث لا يرتكز أساسيا على التدمير الحقيقي الممنهج ولا على التفوق العملي الفوري، إنما على تعديل الحسابات الإستراتيجية المعادية، فما يهم في الامر ليست القوة بل التيقن من ان الافعال تستجلب نتائج تتخطى أي ربح ممكن.

3- احتساب التكاليف مقابل الارباح
يقودنا الامر إلى تفصيل منطق التكاليف مقابل الأرباح. يشرح فريمان أن مقرر إستراتيجي يعمد إلى إجراء عملية حسابية بحيث أنه إذا طرحت التكلفة من المكاسب المتوقعة، فالناتج هو عقلانية العمل. وعليه، يجهد الاستراتيجيون المعنيون على تضخيم مصطنع للتكلفة المتوقعة، إضافة إلى تقليص الاحتمال المتوقع للنجاح وإدخال عامل عدم اليقين. لا يستلزم بالتالي الردع ان يكون أحد طرفي النزاع أقوى من الآخر، إنما ان يكون قادرا على إحداث أذى يصعب تحمله بحيث يمسي غير مقبول. يتطلب هذا النوع من الردع، لكي يكون فعالا، ثلاثة شروط أو دعائم أساسية: أولا الموثوقية، ثانيا قدرة رد قابلة للبقاء، ثالثا التناسبية الإستراتيجية.

أ- الموثوقية
يشير فريدمان إلى أنه على التهديد استيفاء شروط ثلاثة، بحيث يكون عسكريا قابلا للتنفيذ، سياسيا قابلا للتصديق، واخيرا متجانسا مع سلوكيات سابقة. تلبي إيران تلك الشروط بحيث ردت على اغتيال اللواء قاسم سليماني باستهداف قاعدة عين الأسد الاميركية في العراق، وردت على إسرائيل مرات عدة بالقصف، مقرنة القول بالفعل. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن التهديد المبالغ فيه أو غير المنطقي يؤدي إلى إضعاف الردع. مثال هنا التهديدات الردعية التي كان يطلقها العميد العراقي محمد سعيد الصحاف ضد الاميركيين إبان الهجوم على العراق عام 2003. من جهة ثانية، تعتمد الموثوقية على القدرات المبرهنة، بالإضافة إلى العقيدة المعلنة، إلى جانب السمعة الإستراتيجية.

ب- قدرة الرد القابلة للبقاء
يشدد فريدمان على نقطة أساسية وهي أن التهديد لا يردع إلا إذا استوعب الضربة الاولى وتجاوزها. وهنا أيضا حتى تاريخ كتابة هذه السطور، لا تزال الصواريخ تنطلق من الاراضي الإيرانية في محاولات ردعية وقتالية، إذ استطاعت الوحدات الصاروخية الإيرانية تجاوز الضربة الأولى. يحتم تجاوز الضربة الأولى، في موضوعنا، انتشار القوى الصاروخية، حركتيها، حمايتها وكثرة المنصات الصاروخية والصواريخ. لا يسعنا ان نغفل موضوع استيعاب الضربة الاولى، لأنه في حال لم يتم تجاوزها فإن العدو قد يحسب أنه باستطاعته أن يوجه ضربة وقائية تشل الردع وتحيده، ليتعرض هذا الاخير إلى ضربة قاسية ينتج عنها حالة عدم استقرار في مجال الردع وذلك امر خطير جدا، إذ يفتح الباب على مصراعيه لعمليات غير محسوبة النتائج قد تكون مدمرة فيما بعد للطرف الذي يستوجب عليه الردع.

ج- التناسب الإستراتيجي
ينقسم التناسب الإستراتيجي إلى الردع العام أي النووي، والردع المحدود أي الإقليمي والتقليدي. اختارت إيران الرد المحدود ويظهر ذلك طبعا من خلال أنواع صواريخها من جهة، ومن جهة أخرى من خلال طبيعة الاستهدافات خصوصا ما يجري الآن في الحرب الإسرائيلية الإيرانية فقد عمدت إيران، لإظهار قدراتها في إظهار هذا النوع من الردع، إلى تنفيذ ضربات دقيقة وهادفة، مثلا ضرب رادارات منظومة ثاد الاميركية في عدد من دول الخليج، والهجوم على البنى التحتية مثل استهدافها لمحطة شوريك لتحلية المياه في إسرائيل، وأخيرا من خلال التصعيد المتدرج، بحيث تدرجت في استعمال ترسانة الصواريخ لديها ووسعت تدريجيا من دائرة القصف. وحتى تاريخ كتابة هذه السطور ليس معلوما ما تخبئه إيران من صواريخ.

إيران التي لا تتمتع بالقدرات العسكرية نفسها التي في عهدة إسرائيل والولايات المتحدة، استطاعت إحداث أذى ضخما جدا، قد يكون النصر الاميركي الإسرائيلي إن حصل مكلفا من الناحية السياسية، كما انها قد تطيل الصراع.

ثانيا: إسرائيل ردع صاروخي وذكاء اصطناعي
يرتكز مفهوم أمن إسرائيل تقليدياً على ثلاث دعائم، رمت إلى التعويض عن العمق الجغرافي والضعف العددي السكاني. أولاً، الردع؛ بحيث تعمل إسرائيل على الحفاظ على تفوق عسكري نوعي لمنع القوى التي تعتبرها معادية من شن هجمات خوفاً من رد شامل. ثانياً، الإنذار المبكر؛ ذلك عبر الاعتماد على أجهزة المخابرات لكشف نوايا العدو والسماح بالتعبئة العامة السريعة للاحتياط. ثالثاً، النصر الحاسم؛ إذ أنه في حالة الحرب، ينقل القتال إلى داخل أرض العدو لتحقيق نصر واضح وسريع، الأمر الذي يحول دون حروب استنزاف مكلفة.

أضيفت فيما بعد ركيزة رابعة وهي الدفاع، الذي يشدد على الحماية انشطة مثل انظمة القبة الحديدية والصمود المدني لامتصاص الضربات واستيعابها دون ان ينهار الاقتصاد.
يذكر أيضا ان اسرائيل رائدة في مجال التكنولوجيات ومنها الذكاء الاصطناعي المستخدم في العمليات العسكرية والامنية على حد سواء.

1- الردع الصاروخي
يشكل الردع الصاروخي مبدأً هاما من الجهد العسكري الإسرائيلي ويعتمد على منع هجوم كبير مع الحفاظ على القدرة على الرد الاستراتيجي الموثوق. تلعب الصواريخ دوراً ذا شأن في إطار هذا المنطق لأنها تتيح قدرات ضرب بعيد المدى ورداً سريعاً واحتمال تنفيذ ضربة ثانية. تعتبر أنظمة جيريكو الصاروخية البالستية كعنصر من منظومة الردع.

يختلف الردع الصاروخي الإسرائيلي عن ذاك الإيراني من وجهة الاستعمال. لا تستعمل صواريخ جيريكو للردع الإقليمي فحسب بل لضرب مسافات بعيدة جدا وهي تستطيع ان تتحول إلى صواريخ نووية للردع العام، الامر الذي أمن لإسرائيل أنظمة رماية برية لصالح قدراتها النووية.

تجدر الإشارة إلى أن الصواريخ البالستية تدخل ضمن مفهوم الردع الإسرائيلي المشترك المتضمن بعدين هجومي ودفاعي، بحيث يرتكز الأول على قدرات الرد التي تؤمنها الصواريخ البالستية، الطيران الإستراتيجي والقدرات البحرية. تتيح هذه الوسائل الضرب السريع للنقاط المركزية العسكرية أو الإستراتيجية المعادية. أما البعد الثاني، فهو دفاعي وعبارة عن الدفاع الصاروخي؛ فقد بنت إسرائيل لهذا الغرض هندسةً متعددة الطبقات، قوامها القبة الحديدية (لمواجهة القذائف الصاروخية والصواريخ القصيرة المدى)، مقلاع داود (لمعالجة الصواريخ المتوسطة المدى) والسهم (ضد الصواريخ البالستية البعيدة المدى) وقد زادت الشعاع الحديدي وهو نظام أشعة ليزر حققه الجيش الإسرائيلي عام 2020 وغيرها. تعترض هذه الأنظمة الصواريخ والقذائف الصاروخية، مما يعزز المصداقية الدفاعية.

خلافا لإيران التي لديها المخزون الاكبر في الشرق الاوسط، لا تعتمد إسرائيل على غزارة النيران التي تؤدي إلى الإشباع، بل إلى ضربات دقيقة جدا وبعيدة المدى.

2-الذكاء الاصطناعي
أدخلت إسرائيل الذكاء الاصطناعي في ردعها الصاروخي.
يستخدم الذكاء الاصطناعي في هذه الأنظمة لتحليل بيانات الرادار، احتساب خطوط المسارات واتخاذ القرار بالاعتراض. تعالج خوارزميات الذكاء الاصطناعي، في الوقت المناسب، المعلومات الصادرة من المستشعرات وتحدد ما إذا كان المقذوف المقترب يمثل تهديدا حقيقيا للأماكن المبنية والمأهولة أو بنية تحتية حساسة.
وعلى مستوى أدق فيما يتعلق بسلسة الاغتيالات فقد أدمجت القيادة العسكرية أيضا الذكاء الاصطناعي بهدف، تحليل معطيات الأقمار الاصطناعية، معالجة الصور التي ترسلها المسيرات، توقع الهجمات المعادية والتخطيط العملاني. تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي على معالجة كميات كبيرة من البيانات لتسريع تحديد التهديدات ودعم التخطيط العسكري. تسمح تقنيات الذكاء الاصطناعي بتخفيض الوقت الذي تستغرقه عملية اتخاذ القرار من عدة ساعات إلى دقائق معدودة.

خلاصة
بالعودة إلى السؤال المركزي: هل يمكننا القول بأن الصواريخ الفرط صوتية والذكاء الاصطناعي قد أحداثا تحولاً في موازين الحرب بين إسرائيل وإيران؟

في السياق العام، قد يذهب المرء بداية إلى التأكيد أنه من الصعب جداً أن يتبدل كلياً التوازن الإستراتيجي نظراً للدعم اللامتناهي الذي تحظى به إسرائيل على كل مستويات بما في ذلك العسكري الذي تتولاه الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية ككل، فتبقى إسرائيل متفوقة تكنولوجياً على غيرها من دول المنطقة.

لكن، إذا أخذ الأمر من نواحيه التقنية وارتداده على الواقع في منطقة الشرق الأوسط خصوصا مع الصراع الدائر اليوم، نجد أنه تبدل رأسا على عقب التوازن الإستراتيجي، إذ تساهم تكنولوجيات الصواريخ أكانت من الجانب الإيراني أم من الجانب الإسرائيلي والذكاء الاصطناعي الذي تستثمره إسرائيل إلى حده الأقصى في رسم مرحلة جديدة من التنافس التكنولوجي. تسعى إيران إلى الالتفاف على الدفاعات الإسرائيلية من خلال صواريخ أسرع وأصعب من حيث الاعتراض، في حين أن إسرائيل تحاول ان تبقي على قوتها عبر الذكاء الاصطناعي والابتكار في الأنظمة الدفاعية.
ختاما، لا يبدو أن الصواريخ فرط الصوتية وتقنيات الذكاء الاصطناعي قد عدلت حتى الآن ميزان القوى بين إسرائيل وإيران، لكنها تساهم بالمقابل في تحول نوعي في الحرب الحديثة والردع في منطقة الشرق الأوسط، لكن المستقبل مفتوح على تحديات جسام بفعل الصراع الدائر حاليا، والذي قد يلعب دورا هاما في التبديل التدريجي للتوازن بحسب سير الأعمال الحربية.

إعداد: محمد محمود لوباني
جديدنا نيوز – Jadidouna News

زر الذهاب إلى الأعلى