16.4 C
بيروت
ديسمبر 3, 2022

الاختبار الأصعب في رحلة توحيد أسعار الصرف

كتب علي زين الدين في “الشرق الأوسط”

يعتزم مصرف لبنان المركزي الشروع هذا الأسبوع بإصدار التعاميم التطبيقية ذات الصلة بالسعر الرسمي الجديد لليرة اللبنانية الذي سيبدأ تطبيقه تدريجياً، بدءاً من أول تشرين الثاني المقبل، فيما يرتقب أن تتكفل حكومة تصريف الأعمال القائمة أو المتجددة ربطاً بنجاح المساعي السياسية، ببلورة المسار القانوني والإجرائي لقرار وزارة المال برفع السعر بمعدل 10 أضعاف ليبلغ 15 ألف ليرة للدولار الواحد.

وتؤكد مصادر مالية ونقدية معنية أن المرحلة الانتقالية لتنفيذ القرار ستسير في خطوط متوازية، ضمن استهداف رئيسي يصل إلى تعويم تام لسعر صرف العملة الوطنية بنهاية المطاف، مما يعد إصلاحاً نقدياً جوهرياً لإعادة انتظام الهيكل النقدي، وبحيث يتم عبره توحيد تشكيلة أسعار الصرف المتنوعة التي نتجت تباعاً عن الانهيارات النقدية المتوالية على مدى 3 سنوات من جهة، والاستجابة لمطلب صندوق النقد الدولي من جهة موازية.

ولن تكون الرحلة يسيرة، بحسب المصادر المتابعة، من دون نضوج مقاربات موضوعية ومحددة المهل الزمنية لكيفية احتواء الفجوة المالية التي تقدرها خطة الحكومة بنحو 73 مليار دولار، وكيفية توزيع الخسائر بين رباعي الدولة ومصرف لبنان والجهاز المصرفي والمودعين. وذلك في ظل الدين العام الذي يناهز «رقمياً» 105 مليارات دولار (ثلثاه محرر بالليرة) والعجوزات الكبيرة في الموازنة العامة، وتقلص القدرات الاحتياطية من العملات الصعبة لدى البنك المركزي إلى مستويات تقارب 9 مليارات دولار، في مقابل التزامات لصالح المصارف تزيد على 70 مليار دولار، فيما تبلغ قيود المودعين بالعملات الصعبة لدى البنوك نحو 97.5 مليار دولار.

وتثمر هذه الفجوات العميقة في الميزانيات العائدة للدولة وللمصرف المركزي والبنوك، تشوهات حادة ومستمرة في كامل مفاصل المنظومة النقدية، لتتمدد تلقائياً إلى المعاملات التجارية واعتمادات الاستيراد وأسواق الاستهلاك وإدارة السيولة بالليرة وبالدولار بين البنك المركزي والبنوك، ثم بين البنوك والزبائن من مودعين ومقترضين، فضلاً عن جفاف تدفقات السيولة عبر شرايين الاقتصاد والقطاعات المنتجة وتحول المدخرات إلى المنازل والخزنات الخاصة.

وتتجلى الانحرافات النقدية بفرادة ذات خصوصيات غير مسبوقة في تجارب أزمات مالية ضربت اقتصادات بلدان أخرى. فالهوامش السارية بين السعر الرسمي الأدنى البالغ 1515 ليرة لكل دولار والسعر الواقعي البالغ نحو 39 ألف ليرة في الأسواق الموازية تقارب 26 ضعفاً. وهي تمر عبر شبكة أنفاق شائكة لأسعار الصرف تشمل تصريف السحوبات من الودائع الدولارية وضمن حصص محددة السقوف بسعري 8 آلاف ليرة وفقاً للتعميم 151، و12 ألف ليرة للمستفيدين من التعميم 158، فيما يتاح لحاملي الليرة التصريف بالدولار النقدي وفقاً للسعر الساري على منصة صيرفة البالغ حالياً 29.8 ألف ليرة لكل دولار، وتم تحديد 15 ألف ليرة لسعر دولار المستوردات (الجمركي). وهذا فضلاً عن الهامش الإضافي الذي يضيفه التجار على أسعار السلع بالجملة وبالتجزئة، وإضافة إلى العمولات الهائلة التي يتم احتسابها على تصريف الشيكات والصعوبات التي تعيق إيداعها في حسابات بنكية.

لذا، يشير مسؤول مصرفي لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التعاميم المرتقبة للبنك المركزي ستندرج ضمن خطين متوازيين. الأول يتضمن التطبيقات الفورية للسعر الرسمي الجديد بعد اعتماده كسعر مرجعي لمعظم الضرائب والرسوم العامة. فمن غير الممكن الاستمرار بإجازة صرف السحوبات من الودائع بسعري 8 آلاف و12 ألف ليرة المعتمدين حالياً، مما يوجب التساوي مع السعر الجديد. أما الخط الثاني فيتوقع أن يحدد الاستثناءات التي ستظل قائمة وفق السعر السابق البالغ 1515 ليرة لكل دولار.

وإذ تؤكد المصادر المالية والمصرفية أن ربط القرار بشرط إقرار خطة التعافي عكس تخبطاً صريحاً في حمل مسؤولية تداعياته الفورية واللاحقة، إنما لن يحول دون سريان مفاعيله الواقعية. ولذلك فهي تنوه إلى ضرورة التريث في تقدير الانعكاسات على جداول الضرائب والرسوم وفقاً للقرارات التنظيمية التي ستصدرها وزارة المال. بينما سيختص البنك المركزي عبر تعاميمه تحديد مهل متدرجة أيضاً لإعادة هيكلة ميزانيات البنوك، والأهم بالنسبة لأصحاب الحقوق تحديد البدلات الجديدة للسحوبات من مدخرات البنوك.
وبالفعل، فقد أكد رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي أن لبنان سيطبق سعر الصرف الرسمي الجديد، أي 15 ألف ليرة للدولار الواحد، تدريجياً مع استثناءات أولية لتشمل أصول البنوك وسداد قروض الإسكان والقروض الشخصية (المحررة بالدولار) التي ستستمر على السعر الرسمي القديم، كما أنه من المتوقع أن تشمل الاستثناءات التي سيقررها البنك المركزي ميزانيات البنوك التي سيجري إقفالها للسنة المالية الحالية، بالتوازي مع تحديد سعر متدرج ومهل محددة للتوفيق مع السعر الجديد بدءاً من ميزانيات العام المقبل.

في كل حال، يلفت المسؤول المصرفي، إلى أن السعر الرسمي الجديد هو حسابي بحت وتتركز مفاعيله الأساسية والفورية في إعادة هيكلة أرقام الموازنة العامة، ولا سيما في التحسن المنتظر لإيرادات الخزينة. وبالتالي فإن تأثيره سيكون محدوداً في المرحلة الأولى على التداولات النقدية سواء منها التي تجري عبر الأسواق الموازية والتي تعكس السعر الواقعي، أو من خلال منصة صيرفة التي تنفذ عملياتها قرب مستوى 30 ألف ليرة للدولار. كذلك لا يتوقع أن يكون للسعر الجديد تأثيرات مهمة على ميزانيات الشركات والمؤسسات في القطاع الخاص، وبما يشمل الجهاز المصرفي، وريثما يتم الانتقال إلى مرحلة التوحيد الشامل لأسعار الصرف.

ويندرج في هذا السياق، توضيح ميقاتي بأن «تصريح وزير المال أظهر وكأن كل الأمور ستطبق في لحظة واحدة». ومبيناً: «لا، سيكون هناك استثناءات وأشياء تنفذ بمراحل معينة لكي تستطيع الأمور أن تنتظم. الغاية هي الانتظام، وهو لا يكون إلا عندما نوحد سعر الصرف وفقاً لسعر السوق. هذا الأمر سنأخذه في الاعتبار، سيحتاج إلى وقت، نتمنى أن يحصل الانتظام بطريقة صحية وألا يتضرر أحد ولا أن تبقى الناس مستفيدين على ظهر (حساب) الدولة». كما أكد أن السعر الجديد سينطبق مبدئياً على «الرسوم الجمركية وعلى البضائع المستوردة وعلى القيمة المضافة. أما الباقي فسيتم تدريجياً عبر تعاميم وقرارات تصدر عن حاكم مصرف لبنان تحدد هذا الموضوع”.