لبنان في النفق الأخطر بتاريخه الحديث… سيناريوان لا ثالث لهما

كتب جان زغيب – جديدُنا نيوز
يدخل لبنان منتصف نيسان 2026 نفقاً هو الأخطر في تاريخه الحديث حيث تتداخل العمليات العسكرية الميدانية مع مفاوضات دبلوماسية بالغة الحساسية في واشنطن، فيما يشهد الداخل اللبناني تصدعاً سياسياً غير مسبوق قد يُعيد رسم وجه البلاد للعقود القادمة.
أولاً: سياسة الأرض المحروقة
لم يعد النزاع الدائر في الجنوب مجرد مناوشات حدودية موسمية، بل تحوّل إلى ما يشبه مشروعاً لإعادة رسم الجغرافيا. تستمر القوات الإسرائيلية في عمليات تدمير ممنهجة للقرى الحدودية، بهدف إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان والسلاح، يمتد عمقها إلى عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
الفارق الجوهري عمّا سبق أن الهدف لم يعد إجبار الخصم على التراجع التكتيكي، بل فرض واقع جغرافي جديد يجعل أي عودة إلى الوضع السابق شبه مستحيلة. وهذا التوصيف بالذات هو ما يجعل الديناميكية الراهنة مختلفة جذرياً عن جولات المواجهة السابقة. أكثر من مليون شخص نزحوا من منازلهم. 95% من النشاط السياحي توقف. الإنتاج الزراعي والصناعي تراجع بأكثر من 40%.
ثانياً: الانقلاب الدبلوماسي في واشنطن
جاء الحدث الأبرز هذا الشهر بتوجّه وفد لبناني رسمي إلى العاصمة الأمريكية لخوض مفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي برعاية أمريكية. والمفارقة الصارخة أن الوفد جاء يطلب وقف إطلاق النار، فعاد بصفقة تتجاوز مجرد إسكات البنادق إلى إعادة رسم موازين القوى الداخلية برمّتها.
بدورها تسعى الحكومة اللبنانية إلى انتزاع وقف إطلاق فوري مقابل التزامات قانونية بحصر السلاح بيد الدولة وهو مطلب يبدو في السياق الراهن أقرب إلى الانقلاب الهادئ على معادلة الحكم التي سادت منذ اتفاقية الطائف.
والأكثر لافتاً كان ردّ فعل رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي وجد نفسه لأول مرة خارج دائرة القرار. الرجل الذي كان تاريخياً “عراب المفاوضات”، رمى جملته الأكثر قسوة: “الوفد ذهب لوقف النار فعاد لقتال حزب الله”. جملة تكشف عن حجم الهوّة المتسعة بين رؤيتين للخلاص.
ثالثاً: حزب الله من “المساندة” إلى “الدفاع عن الوجود”
تغيّر خطاب حزب الله في الأسابيع الأخيرة بشكل لافت بحيث انتقل من لغة “الوحدة الوطنية” إلى خطاب وجودي دفاعي يصف تحرك الحكومة بأنه “طعنة في الظهر” وتنازل مجاني للعدو.
لكن ما يجعل لحظة الحزب الراهنة استثنائية هو العزلة السياسية الداخلية المتنامية. لأول مرة، ترفع قوى سياسية عديدة سقف مطالبها علناً وبلا مواربة: تطبيق القرار 1559 ونزع السلاح كشرط غير قابل للتفاوض.
رابعاً: الاقتصاد والأرقام المرعبة
بينما تنشغل السياسة بالميدان، تتراكم الكارثة الاجتماعية في صمت. البطالة وصلت إلى 45%، والاقتصاد في طريقه لينكمش 16% هذا العام. لبنان يحتاج 11 مليار دولار لمجرد الشروع في التعافي وهذا مبلغ لن يتدفق إلا بعد اتفاق مع صندوق النقد الذي يشترط “استقراراً سياسياً” لا وجود له على الأرض. ومعادلة شبيهة بالدائرة المغلقة: لا مساعدات دون استقرار، ولا استقرار دون اتفاق، ولا اتفاق دون تسوية ملف السلاح.
خامساً: سيناريوان لا ثالث لهما
سيناريو التسوية الكبرى: نجاح الضغوط الأمريكية-السعودية في فرض اتفاق تاريخي وقف إطلاق النار، نزع تدريجي للسلاح، وبدء تدفق المساعدات الدولية. هذا المسار يفتح الباب أمام نمو متوقع 3.8% عام 2027.
سيناريو التحلل الشامل: فشل المفاوضات جراء تمسك الحزب بسلاحه والرد الإسرائيلي بتوسيع الهجوم، مما يؤدي إلى تفكك ما تبقى من مؤسسات الدولة ونزاع داخلي لبناني-لبناني بالغ الخطورة.
في الخلاصة، ما يجري الآن ان بري يحاول استعادة دور المحور، حزب الله يحاول تحسين شروطه قبل المواجهة الحتمية، والحكومة تراهن على القطار الأمريكي-السعودي، وإسرائيل تواصل تكريس وقائع ميدانية على الأرض. لذا الجولة النهائية من المفاوضات المنتظرة في نهاية نيسان ستكون الفصل الأكثر حسماً في مسيرة لبنان نحو إما دولة جديدة، أو فوضى لا تُعرف سقوفها.
جان زغيب
ناشر ورئيس تحرير
استراتيجي في التواصل والاعلام

