26.3 C
بيروت
سبتمبر 20, 2021

الأوبئة عبر التاريخ … بقلم د. روني سمعان خليل

بقلم د. روني سمعان خليل – جديدنا نيوز

يتخبط العالم بأسره اليوم بجائحة كورونا وتداعياتها الصحية، الاقتصادية، الاجتماعية والنفسية. في ما يلي عرض تاريخي لأبرز الأوبئة عبر التاريخ وأساليب مكافحتها. وصحيح أن تسمياتها اختلفت بين طاعون وجدري وانفلونزا وسواها غير أن نتائجها كانت متشابهة كما وتشابهت اسبابها ومصادرها، فمعظم الأوبئة ظهر نتيجة أخطاء ارتكبها البشر بالطبيعة هادفين منها الى إيذاء الآخر عن سابق تصوّر وتصميم في الأغلب. وفي ما يتعلق بمصادرها، فقد شكّلت الطبيعة عموماً والحيوانات خصوصاً المصدر الأبرز في ظهورها وانتشارها. واليوم بتنا نعيش صراعاً بين نهاية طبية للوباء ونهاية نفسية له عبر التفلّت من القيود التي فرضتها هذه الجائحة، هو صراع بين الميكروبات وبين البشر.

مفهوم الوباء والجائحة: ثمة فارق بين المصطلحين؛ فالمرض حين يصبح معدياً يعرّف عنه باللغة الاجنبية ب épidémieأي وباء وينحصر انتشاره في منطقة أو قارة. أما حين يخرج عن السيطرة ويتعدى حدود القارة عابراً قارات أخرى فيسمى جائحةPandémie . وكما قلنا غالبا ما يكون مصدره: الحيوانات- الأرض- الهواء- المياه.

أبرز الأوبئة عبر التاريخ: ظهرت أوبئة عدة في العالم عبر التاريخ وفي ما يلي سرد لأبرزها؛ وكما أشرنا أن معظمها حصل بطريقة معمّدة من شعب ضد شعب آخر لأسباب سياسية أو اقتصادية…
– وباء أثينا واسبارطة في القرن الخامس قبل الميلاد، ساهم مع عوامل أخرى بانتصار اسبارطة على أثينا نتيجة انتشاره بين العسكر وقلة النظافة.
– طاعون أنطوني Anthony في القرن الثاني ميلادي في الأمبراطورية الرومانية خلال عهد السلالة الأنطونية، لذا أخذ اسمها. انتقل مع العسكر العائد من حروبه في الشرق الأدنى.
– طاعون جوستنيان 541- 542 م، انتشر خلال حكم الامبراطور البيزنطي جوستنيان وأدى الى توقّف التجارة مع الغرب والى عدم إمكانية توحيد المملكتين البيزنطية (الشرقية) والرومانية (الغربية). ظهر بداية في مصر ثم انتقل الى القسطنطينية نتيجة التجارة مع مصر.
– طاعون عمواس بالقرب من القدس أيام الخليفة عمر بن الخطاب سنة 640 انتشر في بلاد الشام، أمر الخليفة شعبه عدم الخروج من المدينة وعدم استقبال الوافدين (الحجر) للحد من انتشاره.
– الجدري سنة 725 ويعتقد البحاثة انها ظهرت في التاريخ القديم في الألفية الثالثة قبل الميلاد في مصر. وكانت طريقة الشفاء منها عبر أخذ بعض المواد المعدية من جلد شخص مصاب بعد أن شفي ووضعها في خدوش سطحية في جسم شخص آخر ليشكل المناعة.
– الموت الأسود او الوباء الأسود: في القرن 14 حصد ملايين الضحايا في أوروبا وشمال افريقيا.

ومن المذكرات عنه، كتب أحد المؤرّخين: “إن الاحترام الذي يُمنح للماعز الميت في الوقت الحاضر في فلورنسا لم يمنح لضحايا الوباء آنذاك”. اذ كانوا يدفنون المصاب في حفرة وفي أكوام مكدسة. وكتب ان طريقة التعامل المثلى مع الوضع عبر؛ “شرب الخمر والاستمتاع الى اقصى حد بالحياة”.

حاولت بعض الدول حجر شعوبها مثل اسبانيا وهولندا ما تسبب بحالة فقر مدقعة وتوقف للتجارة. ويعتبر العلماء ان سبب الوباء ناتج عن تسمم في المياه. وفي ايطاليا تم وضع الكرنتينا انذاك أي الحجر لمدة 40 يومًا وقد استخدمنا في لبنان هذه الطريقة خلال حكم الامير بشير الثاني إبّان الاحتلال المصري 1831- 1840 حين افتتحت مستشفى على البحر في بيروت بغية حجر الوافدين (منطقة الكرنتينا اليوم). من هنا ضُرب المثل الشعبي “عاشر القوم 40 يوم يا بتصير مثلهم يا بترحل عنهم”. اي اما ان تدخل البلاد ان كنت سالمًا من الأمراض والأوبئة وإمّا ان ترحّل الى حيث جئت.
– وباء الجدري سنة 1520 انتهى اليوم بشكل كلي.
– طاعون لندن سنة 1665، انتقل عبر تلوث في المياه.
– الكوليرا في القرن 19 ما تزال حتى يومنا يساعد على انتشارها قلة النظافة وسوء التغذية.
– الحمى الصفراء في بعض الولايات الأميركية أواخر القرن 19.
– امراض وأوبئة الحرب العالمية الاولى: تيفوس- تيفوئيد وغيرها نتيجة قلة النظافة وانتشار الجثث …
– الانفلونزا الاسبانية 1918- 1919 التي حصدت ملايين البشر في أوروبا وأميركا، أصابت الشباب بشكل كبير نتيجة تدني مناعتهم خاصة وأنهم خارجون من الحرب العالمية الاولى بنفسية كئيبة. أول من تحدث عنها كان الصحافة الاسبانية لذا لقبت بالاسبانية.
– السيدا ظهر سنة 1981.
– الايبولا منذ بضع سنوات ظهر في نهر ايبولا – الكونغو.
– انفلونزا الخنازير منذ سنوات انتقلت للانسان عبر الحيوانات.
– السارس.

تأثيرات الأوبئة: كما رأينا تعددت أنواع الأوبئة وإن اختلفت تسمياتها، تبقى مفاعيلها متقاربة لجهة حصد ملايين البشر ناهيك عن الأضرار الإقتصادية والاجتماعية والنفسية، ابتكار أسلوب الحجر وأساليب التعقيم، تطورٌ في عالم الفيروسات، أفكار التباعد، نمو مدن على حساب أخرى، تطور الانترنت اليوم….

أماكن تواجد الفيروس: يعيش الفيروس في الهواء والغبار لذا نحن ننزع الغبار باستمرار عن الاماكن ومن هنا جاءت فكرة القناع لانه ينتقل بالهواء عبر الرذاذ.
التطور الطبي ومكافحة الاوبئة: درج الإنسان في العصور القديمة على التداوي بالأعشاب لحين ظهور اول كلية للطب عام 1215، ثم لاحقاً ظهور الميكروسكوب سنة 1590، وتطورت عمليات التشريح والعمليات الجراحية في القرون الوسطى وعصر النهضة. ومع مطلع القرن 17، ظهرت أولى اكتشافات الاوبئة عبر الميكروسكوب، كما وظهر اول متخصص في علم البكتيريا (القرن 17): Van Leeuwenhoek.

ومع القرنين 19 و20: تم اكتشاف ال Antibiotique والعقاقير وظهر تطور ملحوظ في الطب وعمليات تقوية المناعة والاشعة، إضافة الى صناعة ال eau de Javel (أواخر القرن 18) الذي تكمن أهميته كمطهّر فعال لاحتوائه الكلور – Chlore المضاد للبكتيريا. ومع العالمPasteur (القرن 19) ونظريته بأنّ البكتيريا أو الفيروس غير مرئي، ينتقل من شخص لاخر، من هنا ضرورة تشخيصه عبر الميكروسكوب. وهو الذي اخترع نظام التخمير الذي يطهّر المادة قبل تحويلها الى شكلها النهائي (الحليب مثلاً) على حرارة 750 درجة، فتقتل البكتيريا من هنا عبارة “حليب مبستر” فتزيل البكتيريا السيئة وتبقي على الصالحة. وظهر أيضاً الطبيب الألماني روبرت كوخ الرائد في علم البكتيريا الحديثة أواخر القرن 19 والذي اكتشف العامل المسبب لمرض السل أحد أبرز الأوبئة الفتاكة آنذاك… وسواهم من العلماء في هذا المجال.

ومع التقدم الطبي اليوم، بتنا نشهد أساليب متطورة لتحديد الفيروسات من حيث نوعها وتفاصيل أخرى عنها، فال PCR هي عملية طبية متطورة تهدف الى تحديد جينات الفيروس عما اذا وجدت في جسم الانسان.

وفي ما يتعلق بالمعقمات؛ إنّ كل شخص يحمل في جسمه أنواعاً من البكتيريا مفيدة، من هنا ضرورة عدم الاكثار في استعمال المعقمات لانها تقتل هذه البكتيريا الجيدة وبالتالي تخفف من مناعة الجسم، والاجدى هو استخدام الماء والصابون ووضع القناع.

بقلم د. روني سمعان خليل – جديدنا نيوز

Open chat