أعمال ومال

رفع الأجور وحده ليس الحلّ: كيف نحمي القدرة الشرائيّة؟

منذ عام 2019 يعيش لبنان سلسلة أزمات متراكمة: انهيار مالي ونقدي أفقد الليرة معظم قيمتها، وأزمة مصرفية حجزت مدخرات اللبنانيين، ثم انفجار مرفأ بيروت، فالحروب والتوترات الأمنية التي أنهكت الاقتصاد.

وفي ظل غياب شبكات الحماية الاجتماعية، تآكلت الأجور حتى لم يعد راتب الموظف أو العامل يغطي كلفة النقل والطبابة والتعليم والغذاء… كما بات سعر صفيحة البنزين عبئاً يومياً على الأسر والسائقين على حد سواء. من هذا الواقع بالذات تنطلق مطالب الاتحاد العمالي العام والفئات العمالية.

في هذا السياق، أقرّ مجلس الوزراء، في جلسته امس تعديل قيمة بدل يوم الحضور إلى مراكز العمل، بحيث أصبح يحدد البدل الذي يتوجب على صاحب العمل دفعه للأجير عن كل يوم حضور ما يعادل قيمة خمسةليترات من البنزين يومياً، على ألا يتجاوز البدل مبلغ ثمانمائة ألف ليرة لبنانية يومياً، وألا يقل عن خمسمائة ألف ليرة لبنانية. ولغاية احتساب هذه القيمة، يُعتمد متوسط السعر الرسمي لصفيحة البنزين.
كما تم التوقيع على مرسوم تعديل التعويضات العائلية استناداً إلى موافقة مجلس الوزراء بتاريخ 16 شباط، على أن يسري التعديل اعتباراً من 1 آذار 2026، وفق الآتي: مليونان ومئة ألف ليرة لبنانية عن الزوجة أو الزوج، ومليون ومئة وستون ألف ليرة لبنانية عن كل ولد مُعال، على ألا يتجاوز مجموع التعويض عن الأولاد خمسة ملايين وثمانمائة ألف ليرة لبنانية. وتُدفع، اعتباراً من 1 تشرين الأول 2026، فروقات التعويضات العائلية المستحقة عن الفترة الممتدة من 1 آذار ولغاية 30 أيلول شهرياً وبالتزامن مع دفع الرواتب.
في المقابل، لم يوافق المجلس على اقتراح وزير الطاقة جو صدي بإلغاء أو تعليق رسم الـ300 ألف ليرة المحتسب ضمن سعر صفيحة البنزين.

هذه “المكاسب” قد تخفف الضغط على المدى القصير، لكنها تطرح سؤالاً أعمق: هل تكفي زيادة الأجور وحدها لحل الأزمة؟

يجيب مصدر أقتصادي عبر وكالة “أخبار اليوم”: المطالبة الدائمة بزيادة الأجور الاسمية بالليرة، من دون نمو اقتصادي حقيقي واستقرار نقدي، قد تغذّي التضخم وتدفع الأسعار والدولار للارتفاع، فتمتص الزيادة قبل أن تتحول إلى قدرة شرائية فعلية، وهو ما يعرف بحلقة الأجور والأسعار “Wage-Price Spiral”.

لذلك يقترح المصدر خيارات أخرى متكاملة، منها:

الاستقرار النقدي: ربط أي زيادة في الأجور بنمو حقيقي وإيرادات فعلية لا بطباعة نقد غير مغطى، واعتماد مؤشرات استهلاك حقيقية لتصحيح الأجور بحسب الإنتاجية والإيرادات، وتوحيد أسعار الصرف لضبط الأسواق ومنع المضاربات.

تخفيف الكلفة المعيشية (الأجر غير المباشر): بدل زيادة نقدية ترفع التضخم، تتحمل الدولة جزءاً من الأعباء الأساسية، من خلال النقل المشترك منخفض الكلفة، والتغطية الصحية الشاملة، الضمان الاجتماعي والصناديق الضامنة، ودعم المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية.

الإصلاح المالي والضريبي: إعادة هيكلة القطاع العام ومعالجة الوظائف الوهمية، وتفعيل الضرائب التصاعدية مع تخفيف الضريبة على القيمة المضافة عن السلع الأساسية، ومكافحة التهرب الجمركي والضريبي لتمويل تصحيح الأجور من مداخيل فعلية لا من القروض أو الطباعة.

الحماية الاجتماعية المباشرة: التوسع في برامج الدعم النقدي الموجهة للأسر الأكثر فقراً، والممولة دولياً، بما يوجه المساعدة لمستحقيها ويحد من أثرها التضخمي.

وهنا سئل المصدر: ألا تبدو هذه الحلول مثالية بالنسبة الى بلد مثل لبنان وبالتالي هل يمكن تطبيقها؟ فيقول: انها قابلة للتنفيذ تقنياً واقتصادياً، والعائق الأساسي ليس غياب الخطط بل الإرادة السياسية ومصالح النظام الريعي وغياب الثقة بالدولة. ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات:

• حلول طُبّقت جزئياً بحكم الواقع: دولرة الأجور في القطاع الخاص حمت موظفيه من التضخم، لكنها عمّقت الفجوة مع موظفي القطاع العام الذين ما زالوا يتقاضون رواتبهم بليرة فاقدة لقيمتها.

• حلول تحتاج إلى قرار سياسي: كالنقل المشترك وإصلاح الضمان الاجتماعي ووقف الهدر فيه، وتصطدم بمصالح كارتيلات المحروقات والتوظيف السياسي.

• حلول مرتبطة بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي: كإصلاح القطاع العام وضبط التهرب الضريبي وإغلاق المعابر غير الشرعية، وتقاومها القوى المستفيدة من الاقتصاد الموازي والمحاصصة الحزبية والطائفية.

وفي هذا السياق، يرى المصدر ان المخرج الأكثر واقعية هو “الإصلاح المتدرج المشروط” بدل خطة شاملة سحرية، شارحا: ربط المساعدات الدولية وشبكات الأمان الاجتماعي بالإصلاح المالي ودمج المؤسسات غير المنتجة، مع شراكة بين القطاعين العام والخاص في النقل والكهرباء والمرافق تحت رقابة صارمة، لرفع الكفاءة وتخفيف الكلفة عن المواطن دون أعباء جديدة على الموازنة.

ويختم المصدر: القرارات الأخيرة خطوة ضرورية لتخفيف المعاناة الفورية، لكن الحل المستدام يتطلب الانتقال من منطق الزيادات الظرفية إلى سياسة متكاملة تجمع الاستقرار النقدي والإصلاح الهيكلي وتخفيض الكلفة المعيشية، حتى تتحول أي زيادة في الدخل وتحسن فعلي في حياة العمال والمواطنين.

وكان الاتحاد العمالي العام قد أعلن تعليق الإضراب الذي كان مقرراً في 30 أيلول الفائت، بعد استجابة حكومية وتواصل مباشر مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئاستي مجلس النواب والحكومة والوزراء المعنيين، أثمر حزمة مقررات لصالح العمال والسائقين، أبرزها:

• زيادة بدل النقل اليومي بمعدل 5 ليترات بنزين يومياً للعاملين الخاضعين لقانون العمل في القطاعين الخاص والعام.

• زيادة التعويضات العائلية بنسبة 40% للسائقين العموميين والعاملين في القطاعين الخاص والعام.

• إصدار مرسوم حكومي واقتراح قانون يفتح الاعتمادات المالية لتقديم 12 مليون ليرة شهرياً دعماً للسائقين العموميين.

• العمل مع وزارتي الطاقة والاقتصاد، بالتنسيق مع ممثلي قطاع المحروقات والموزعين والمحطات وبحضور فادي أبو شقرا، لتخفيض الجعالة المفروضة على البنزين وتخفيف الأعباء عن المواطنين.

أخبار اليوم

زر الذهاب إلى الأعلى