اخبار لبنان - Lebanon News

هل يتحوّل “الخط الأصفر” إلى واقع عسكري دائم في الجنوب؟

تكشف المعطيات المتداولة حول التحضيرات الإسرائيلية في جنوب لبنان عن انتقال تدريجي من مرحلة العمليات العسكرية المكثفة إلى مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على تثبيت انتشار عسكري طويل الأمد، وإنشاء منظومة مواقع جديدة وتحويل ما سُمّي “الخط الأصفر” إلى منطقة عازلة ذات وظيفة أمنية وعسكرية تتجاوز فكرة الانتشار الموقت.
ويطرح هذا التحول أسئلة كبيرة حول مستقبل الوضع الميداني في الجنوب، ولا سيما أن توسيع نطاق العمليات خارج هذا الخط، وصولاً إلى مناطق في النبطية والبقاع، يعني أن المسألة لا تتصل فقط بإعادة تنظيم القوات، بل بمحاولة فرض معادلة أمنية جديدة على الأرض.

وقال خبير عسكري لـ”وكالة أخبار اليوم” إن “الإعلان عن الانتقال إلى مرحلة جديدة لا يعني بالضرورة انتهاء العمليات العسكرية، بل يمكن أن يمثل إعادة تعريف لطبيعتها وأهدافها. فالجيش الإسرائيلي، بعد اعتباره أنه أنجز الجزء الأساسي من عمليات تدمير البنى التحتية التي حددها في المنطقة الممتدة على طول “الخط الأصفر”، يبدو متجهاً إلى بناء واقع عسكري أكثر ثباتاً، تكون فيه المواقع والتحصينات والانتشار المنظم بديلاً عن العمليات البرية الواسعة والمكلفة، مع الإبقاء على القدرة على تنفيذ عمليات نوعية متى قرر ذلك”.

ورأى الخبير أن “إنشاء خط جديد من المواقع العسكرية داخل الأراضي اللبنان
ية يحمل دلالة تتجاوز الاعتبارات التكتيكية. فالموقع العسكري الثابت يحتاج إلى طرق إمداد وحماية ومجال حركة ومراقبة، ما يعني نشوء بنية عسكرية متكاملة يمكن أن تستمر لفترة طويلة. ومن هنا، فإن الحديث عن مرحلة دفاعية طويلة الأمد ينبغي ألا يُفهم على أنه عودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب، وإنما كمسعى إلى إنشاء منطقة أمنية فعلية تملك فيها إسرائيل قدرة متقدمة على المراقبة والتدخل والنار والمناورة”.

وأشار إلى أن “مفهوم “العمق الدفاعي” الذي يجري الحديث عنه يعكس محاولة لمنع أي عودة سريعة إلى المعادلة السابقة، إذ لا تريد إسرائيل الاكتفاء بخط تماس مباشر يمكن أن يعرّض قواتها ومستوطناتها الشمالية لضربات مفاجئة، بل تسعى إلى إبقاء مساحة عملياتية داخل الأراضي اللبنانية تسمح لها باكتشاف أي نشاط تعتبره تهديداً والتعامل معه قبل وصوله إلى حدودها. وهذا يفسر الإصرار على الاحتفاظ بحرية الحركة، وعدم حصر الوجود العسكري في نقاط محددة أو في خط جغرافي واحد”.

وأضاف الخبير أن “الأخطر في هذه المقاربة هو احتمال تحول “الخط الأصفر” من إجراء ميداني مرتبط بظرف عسكري إلى أمر واقع جغرافي وسياسي. فكلما طال أمد الانتشار الإسرائيلي، ازدادت احتمالات التعامل مع المواقع المستحدثة باعتبارها جزءاً من منظومة أمنية ثابتة، الأمر الذي قد يجعل أي انسحاب لاحق أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا ارتبطت هذه المواقع بترتيبات مراقبة أو انتشار أو إجراءات أمنية جديدة”.

وقرأ الخبير “العمليات التي نُفذت في مناطق مثل مرتفعات علي الطاهر والمنصوري في سياق محاولة إسرائيلية لتأكيد أن قدرتها على العمل العسكري لا تتوقف عند نطاق جغرافي ضيق. فالانتقال من تدمير منشآت محددة إلى إقامة منظومة انتشار دفاعية متكاملة يعني أن العمليات السابقة كانت، من وجهة النظر الإسرائيلية، تمهيداً لإعادة صياغة البيئة الأمنية في الجنوب، وليس حملة عسكرية محدودة الأهداف زمنياً”.

وتابع الخبير “وفي المقابل، فإن استمرار تنفيذ الاغتيالات والضربات النوعية يعني أن ا
لانتقال إلى المرحلة الدفاعية لا يلغي الطابع الهجومي للسياسة العسكرية الإسرائيلية. بل يمكن أن يجمع بين انتشار ثابت من جهة، وعمليات استخبارية واغتيالات وضربات بعيدة أو موضعية من جهة أخرى. وبذلك يصبح الجنوب أمام نموذج يقوم على الوجود العسكري المستقر مع إبقاء أدوات التصعيد مفتوحة، بدلاً من العودة إلى قواعد اشتباك واضحة ومحددة”.

واعتبر الخبير أن “هذه المعادلة تضع الدولة اللبنانية أمام تحدٍ أساسي، لأن تثبيت انتشار عسكري إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية لفترة طويلة سيؤثر بصورة مباشرة في مستقبل تطبيق القرار 1701 وترتيبات وقف الأعمال العدائية ومسألة حصرية السلاح والانتشار العسكري جنوب الليطاني. كما أن استمرار العمليات خارج نطاق “الخط الأصفر” يوسع المشكلة من مسألة حدود وانتشار إلى مسألة سيادة كاملة على الأراضي اللبنانية، بما يجعل أي معالجة مستقبلية بحاجة إلى مقاربة سياسية وأمنية متزامنة”.

وأشار إلى أن “أي تسوية قابلة للاستمرار لن تكون ممكنة إذا تحولت المناطق العازلة إلى حدود أمر واقع جديدة، لأن ذلك سيبقي الجنوب في حالة استنزاف مفتوحة ويمنع عودة الاستقرار وإعادة الإعمار وعودة السكان إلى قراهم. ولذلك فإن التحدي لا يكمن فقط في وقف إطلاق النار، بل في منع تثبيت نتائج العمليات العسكرية كوقائع جغرافية دائمة، وإعادة ربط الأمن في الجنوب بمرجعية الدولة اللبنانية والقرارات الدولية وآليات المراقبة المتفق عليها”.

وتخلص القراءة العسكرية إلى أن إسرائيل تبدو أمام محاولة لإدارة وجودها العسكري في الجنوب على المدى الطويل، عبر الجمع بين التحصين والانتشار والعمليات النوعية، فيما يبقى السؤال الأساسي متعلقاً بقدرة المسار الدبلوماسي على منع تحول هذا الواقع الموقت إلى نظام أمني دائم. فالمعركة المقبلة، وفق هذه المعادلة، قد لا تكون بالضرورة معركة ميدانية واسعة، بل معركة على تثبيت الحدود التي ستحدد شكل الجنوب اللبناني وترتيباته الأمنية والسيادية في المرحلة المقبلة.

داود رمال – اخبار اليوم

زر الذهاب إلى الأعلى