لماذا لا تنخفض أسعار البنزين في لبنان عندما يهبط سعر النفط؟

جديدنا نيوز
يطرح اللبنانيون مع كل صدور لجدول تركيب الأسعار الت
ابع لوزارة الطاقة سؤالاً مشروعاً: لماذا يستمر سعر صفيحة البنزين بالارتفاع ليتخطى عتبة الـ 2,834,000 ليرة لبنانيّة في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية هبوطاً ملحوظاً في سعر برميل خام برنت؟
هذه المفارقة ليست عشوائية، بل تحكمها كواليس آلية الاستيراد والضرائب المحلية، ومؤشرات بورصة المشتقات النفطية التي تفصل بين سعر “النفط الخام” وسعر “المادة الجاهزة”.
فك الارتباط: برنت لل
نفط الخام والبلاتس للبنزين
الخطأ الشائع يكمن في الاعتقاد أن لبنان يستورد نفطاً خاماً انما الحقيقة أن لبنان يستورد مشتقات نفطية مكررة وجاهزة للاستخدام (بنزين ومازوت).
خام برنت: هو المؤشر العالمي للنفط غير المكرر.
بورصة البلاتس (Platts): هي البورصة العالمية التي تُسعّر المشتقات النفطية بعد تكريرها.
في الأزمات الجيوسياسية الراهنة، تواجه مصافي التكرير العالمية ضغوطاً هائلة ونقصاً في قدرات الإنتاج إثر ضربات طالت منشآت حيوية
وتقييد بعض الدول لصادراتها من الوقود. هذا الوضع خلق فجوة كبيرة حيث تتماسك أسعار البنزين المكرر في بورصة “البلاتس” وتحافظ على مستوياتها المرتفعة، حتى لو انخفض سعر برميل برنت الخام نتيجة وجود فائض مؤقت في النفط غير المكرر.
النقل والتأمين.. كلفة “المخاطر الأمنية”
لا تصل الشحنات إلى الموانئ اللبنانية بالأسعار العالمية الصافية وقد فرضت الاضطرابات الأمنية في الممرات البحرية لشرق المتوسط ورسوماً وضغوطاً إضافية:
* تضاعف بوالص التأمين: تصنيف ا
لمياه الإقليمية كمنطقة مخاطر يرفع كلفة التأمين على ناقلات النفط بشكل خيالي.
* أجور الشحن البحري: النقص في الناقلات المستعدة للقدوم إلى المنطقة يمنح شركات الشحن القدرة على فرض أسعار مرتفعة، وهذه الكلف تضاف بالكامل إلى جدول تركيب الأسعار اللبناني وتتحملها صفيحة البنزين.
آلية التسعير المتأخرة محلياً
لا تعتمد وزارة الطاقة والمياه اللبنانية في جدولها اليومي على السعر الفوري لبرنت أو البلاتس في نفس اللحظة بل على معدل أسعار الشحنات التي تم تفريغها في مستودعات الشركات قبل أيام أو أسابيع. بالتالي، فإن أي انخفاض عالمي يحتاج إلى فترة زمنية
تتراوح بين أسبوع إلى أسبوعين ليظهر أثره في المحطات المحلية، بشرط أن يستمر الهبوط العالمي وألا تبتلعه عوامل أخرى.
الجعالات الثابتة والضرائب.. حصة الدولة والشركات
حين يتم تفكيك السعر الإجمالي لصفيحة البنزين، يتضح أن ثمن البضاعة العالمي يمثل جزءاً فقط من الفاتورة، بينما يذهب الجزء المتبقي لصالح كلف داخلية ثابتة أو متصاعدة:
* الرسوم والضرائب: تتمسك الدولة بتحصيل الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة (VAT)، بالإضافة إلى رسوم مقطوعة فرضت سابقاً (مثل رسم الـ 300 ألف ليرة) لتأمين إيرادات للخزينة العامة.
* أرباح الكارتيل والمحطات: يتم احتساب “الجعالة” (هامش الربح) للشركات المستوردة والموزعين وأصحاب المحطات بالدولار، وهي حصص ثابتة لا تتأثر بإنخفا
ض السعر العالمي.
بينما يهبط برنت في الشاشات العالمية، تظل صفيحة البنزين في لبنان أسيرة كلفة التكرير في بورصة البلاتس، ومصاريف الشحن والتأمين المرتفعة، والضرائب المحلية التي لا تنخفض .
إن غياب “الامتصاص الضريبي” من قبل الدولة اللبنانية على عكس دول الجوار التي تتدخل لدعم الأسعار أو خفض الضرائب مؤقتاً عند الأزمات ، يجعل المواطن اللبناني يتلقى الصدمات كاملة دون الاستفادة من أي انفراجات عالمية مؤقتة.
خاص جديدنا نيوز

