حرب ما بين السلسلتين… معارك الأرض المكشوفة

يعتبر البقاع ذا أهمية استراتيجية فهو ليس ممرًّا بين لبنان وسوريا فحسب. البقاع عقدة الجغرافيا اللبنانية. ومن يقرأ خرائط المنطقة يعرف أن المعركة الحقيقية لا تبدأ دائمًا من المكان الذي تدوي فيه القذائف. تبدأ أحيانًا من الأرض التي تبدو هادئة.
منذ الرومان، كانت أهمية البقاع واضحة. بعلبك لم تكن مجرد مدينة تاريخية. كانت موقعًا استراتيجيًا، لذلك بنيت القلعة الشهيرة لحماية سهل البقاع وطرق العبور. وبعد قرون، أدرك الطوباوي البطريرك الياس الحويك المعادلة نفسها. فكان البقاع جزءًا أساسيًا من لبنان الكبير. لا لبنان من دون عمقه البقاعي.
وخلال الاحتلال السوري، لم يخرج البقاع من دائرة الاهتمام الدولي. على العكس. كانت واشنطن تنظر إليه بعين مختلفة. مرة بسبب الزراعات الممنوعة وشبكات المخدرات التي وصلت لتهديد الأمن العالمي، ومرة بسبب مخيمات التدريب والبنية العسكرية التي نشأت في المنطقة بدعم ايراني. كان البقاع دائمًا أكثر من سهل زراعي.
اليوم، تعود الأرض إلى الواجهة.
المعادلة تغيّرت والجنوب لم يعد وحده تحت المجهر. بعد سقوط علي الطاهر وجبل الريحان لاحقًا، تتجه القراءة الأمنية نحو البقاع، ليس لأنه يشبه الجنوب، بل لأنه يختلف عنه.
ويؤكد مصدر أمني لـ”نداء الوطن” أن طبيعة أي معركة في البقاع قد تكون أسهل بالنسبة إلى الإسرائيليين من معركة الجنوب. السبب واضح وهو الجغرافيا. في الجنوب، الهضاب والتضاريس تقاتل إلى جانب المقاتل. التلال تحمي، الأودية تخفي، والتحصينات تستفيد من طبيعة الأرض. أما البقاع، فالقصة مختلفة. سهل واسع، مساحات مكشوفة، ومجال رؤية أكبر. لا جبال متلاصقة تحوّل كل نقطة إلى قلعة.
لكن الأهم هو ما تخفيه الخريطة. الكلام عن قوة “حزب الله” وتحضيراته في البقاع يبدو، وفق المصدر نفسه، أكبر من الواقع. والسبب أن قراءة السلسلتين الشرقية والغربية تكشف حدود النفوذ الحقيقي.
في البقاع الشمالي، تمتد الحدود الشرقية ضمن مناطق تسيطر عليها جغرافيًا بلدات عرسال ورأس بعلبك والقاع. غالبية هذه البيئة سنية ومسيحية. وهذا يعني أن الجزء الأكبر من السلسلة الشرقية ليس بيئة حاضنة لـ”حزب الله”. وعلى السلسلة الغربية المقابلة، الصورة لا تختلف كثيرًا. دير الأحمر وبلدات الجوار المسيحية تشكل امتدادًا جغرافيًّا واسعًا. وهذا الواقع يحدّ من قدرة “الحزب” على تحويل السلسلة إلى منطقة عسكرية مفتوحة أمامه. المعادلة هنا بسيطة. لا يكفي أن تمتلك السلاح، يجب أن تمتلك الأرض. ولا يكفي أن تملك موقعًا، يجب أن تكون قادرًا على حمايته وتأمين خطوط الإمداد إليه. وهذا تحديدًا ما يجعل البقاع مختلفًا.
هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله: سوريا تغيّرت. النظام السابق سقط والحدود تغيّرت معها وظيفيًّا وسياسيًّا وأمنيًّا. وبالتالي، فإن جزءاً من الصورة المتداولة عن قوة “حزب الله” في البقاع يستند إلى مرحلة انتهت خصوصًا مع كثرة الحديث عن حشود سورية هدفها ضرب “الحزب”. لذلك إن المعركة المقبلة، إذا وصلت إلى البقاع، لن تكون معركة الجنوب نفسها. ستكون معركة الأرض المكشوفة، ومعركة العمق، ومعركة خطوط الإمداد. وعندها، يصبح سقوط علي الطاهر أكثر من خسارة موقع. يصبح سقوط طبقة من طبقات التحصين. وإذا سقطت التحصينات تباعًا، ينكشف السهل. وإذا انكشف السهل، تتغير المعادلة.
ومع تعرّض “حزب الله” لضربات متلاحقة، فلن يبقى من قوات النخبة أي “الرضوان” من يقاتل، لذلك مع وصول الحرب إلى البقاع سيكون الاختبار الأكبر لما تبقى من “وحدة حيدر” التي تنتشر في البقاع الأوسط والشمالي، أيضًا لـ”وحدة عزيز” التي يمتد نطاقها من القطاع الشرقي للجنوب وصولا إلى البقاع الغربي والتي هي أيضًا تعرضت لضربات قاسية في الحرب السابقة والحرب الحالية.
من السلسلة الشرقية إلى السلسلة الغربية، البقاع ليس مجرد جبهة جديدة. إنه الاختبار الأصعب لما بقي من القدرة العسكرية لـ”حزب الله” خارج بيئته الأكثر التصاقًا بالأرض. والسؤال لم يعد ماذا يملك “الحزب في البقاع”، بل ماذا يبقى له عندما تصبح الأرض مكشوفة؟
ألان سركيس – نداء الوطن

