اخبار لبنان - Lebanon News

ماذا تعني زيارة عون إلى أنقرة؟

لا تختار الدول الكبرى توقيت تحركاتها الخارجية عبثًا، ولا تكون زيارات الرؤساء مجرد مناسبات بروتوكولية. وعندما ينتقل رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون، في غضون أسابيع، من واشنطن إلى أنقرة، فإن السؤال لا يعود إلى أي عاصمة يقصد، بل إلى أي شرق أوسط يتشكل من حول لبنان، وأي موقع يُراد له في خريطته الجديدة.

فزيارة عون إلى تركيا تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، سواء في توقيتها أو في الرسائل التي حملتها مقابلته مع وكالة الأناضول. فقد ركّز على ثلاثة عناوين مترابطة: تنفيذ “صيغة الإطار”، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وحصر السلاح بيد الدولة. وهذه ليست ملفات متفرقة، بل تشكل في جوهرها مشروعاً واحداً هو إعادة بناء الدولة.

ومن هنا، لا يمكن فصل أنقرة عن واشنطن. ففي العاصمة الأميركية، أكد لبنان التزامه باستعادة القرار السيادي وبسط سلطة الدولة، فيما اتجه إلى تركيا طالبًا دعمًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا للمشروع نفسه. إنه لا ينتقل من محور إلى آخر، بل يسعى إلى بناء شبكة دعم دولية وإقليمية للدولة اللبنانية.

في العلاقات الدولية، تؤدي التحولات الكبرى إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي وإعادة تعريف توازن القوى. وما يشهده الشرق الأوسط اليوم يوحي بأن المنطقة دخلت مرحلة انتقالية تتراجع فيها مراكز نفوذ، فيما تتقدم قوى أخرى لملء الفراغ.

وفي هذا السياق، يبدو أن الولايات المتحدة تعتمد بصورة متزايدة سياسة تقاسم الأعباء، فهي تحتفظ بقيادة المشهد الاستراتيجي، فيما تمنح شركاءها الإقليميين أدوارًا أكبر في إدارة الملفات الأمنية والسياسية. ومن هنا يمكن فهم تنامي الدور التركي، لا باعتباره توسعاً منفردًا، بل جزءًا من إعادة توزيع القوة في الإقليم.

فتركيا، وفق أدبيات الجيوبوليتيك، ولا سيما لدى زبيغنيو بريجنسكي، ليست مجرد دولة إقليمية، بل دولة محورية تجمع بين عضوية حلف شمال الأطلسي، والقدرة العسكرية، وشبكة العلاقات التي تمتد من واشنطن إلى موسكو والعالم العربي. وهذا ما يجعلها لاعبًا يصعب تجاوزه في أي ترتيبات تخص المشرق وشرق المتوسط.

ومن اللافت أن الرئيس عون لن يطلب من أنقرة دعمًا اقتصاديًا فحسب، بل يدعوها إلى الإسهام في تنفيذ “صيغة الإطار”، وتعزيز انتشار الجيش، وضبط الحدود، ومنع انتقال السلاح غير الشرعي. وهذا يعكس تحولا في النظرة اللبنانية إلى تركيا، من شريك اقتصادي إلى شريك سياسي وأمني يمكن أن يدعم مشروع استعادة الدولة، لا أن يكون بديلا عنها.

غير أن هذه الصورة تبقى ناقصة إذا عُزلت عن سوريا. فوفق نظرية “المجمع الأمني الإقليمي” للباحث باري بوزان، لا يمكن فهم أمن دولة بمعزل عن محيطها. ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة الأمن اللبناني بعيدًا من التحولات الجارية في سوريا، ولا فهم الدور التركي من دون موقعه في المعادلة السورية، ولا فصل كل ذلك عن الاستراتيجية الأميركية في شرق المتوسط.

فسوريا، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تسعى إلى إعادة تموضعها داخل النظامين العربي والإقليمي بعد سنوات من الحرب والعزلة، فيما تبدو تركيا شريكًا أساسيًا في ملفات الأمن والحدود وإعادة الإعمار. وإذا استمر هذا المسار، فلن تقتصر انعكاساته على الداخل السوري، بل ستمتد حكمًا إلى لبنان، سواء في ملف الحدود، أو مكافحة التهريب، أو عودة النازحين، أو تنشيط الاقتصاد.

لكن ذلك لا يعني أن تركيا تتجه إلى الحلول محل إيران، أو أن لبنان ينتقل من وصاية إلى أخرى. فالدول لا تستبدل النفوذ بهذه البساطة، بل تعيد توزيع الأدوار وفق حسابات المصالح وموازين القوى. وإذا كانت واشنطن تعيد تنظيم حضورها عبر تقاسم الأعباء، فإن أنقرة تتحرك بدورها انطلاقًا من مصالحها الوطنية وسعيها إلى تثبيت موقعها كقوة إقليمية مؤثرة.

وهنا تكمن أهمية خطاب الرئيس عون. فهو لم يطلب من تركيا أن تحل محل الدولة اللبنانية، بل أن تساعد الدولة على استعادة دورها. وهذا يعيد النقاش إلى جوهر مفهوم الدولة الحديثة كما صاغه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، الذي رأى أن الدولة لا تكتمل إلا عندما تحتكر وحدها الاستخدام المشروع للقوة. لذلك، فإن حصر السلاح بيد الدولة ليس مجرد شعار سياسي، بل شرط قيام الدولة نفسها.

ولعل الرسالة الأهم في مقابلة الرئيس مع وكالة الأناضول لم تكن اقتصادية، بل تأكيده أن قرار حصر السلاح قرار سيادي لبناني، وأن نجاح أي تفاهم يبقى مرتبطًا أيضًا بالتزام إسرائيل بالانسحاب الكامل ووقف الاعتداءات، حتى لا تتحول التزامات لبنان إلى التزامات أحادية الجانب.

وهنا يكمن جوهر الاختبار. فالرهان ليس على أنقرة، ولا على واشنطن، ولا على دمشق، بل على قدرة اللبنانيين على استثمار هذه اللحظة الإقليمية لإعادة بناء دولتهم. فالتاريخ لا يصنع الدول، لكنه يمنحها فرصًا نادرة، والدول التي تمتلك رؤية واضحة تحول هذه الفرص إلى مشاريع وطنية، فيما تتحول الدول العاجزة إلى ساحات تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين.

قد تفتح زيارة الرئيس جوزاف عون إلى تركيا صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية – التركية، وربما تؤسس لدور تركي أكثر حضورًا في دعم الاستقرار اللبناني. لكن قيمتها الحقيقية لن تُقاس بعدد الاتفاقيات أو حجم المساعدات، بل بمدى مساهمتها في تعزيز مشروع الدولة اللبنانية وترسيخ سيادتها.

فالشرق الأوسط يُعاد تشكيله بالفعل، لكن السؤال الذي سيحدد موقع لبنان في هذه الخريطة ليس ماذا تريد واشنطن، ولا ماذا تريد أنقرة، ولا حتى ماذا تريد دمشق، بل: هل يمتلك لبنان، للمرة الأولى منذ عقود، الإرادة السياسية لتحويل هذه اللحظة التاريخية إلى بداية فعلية لزمن الدولة؟

د. بولا أبي حنا – نداء الوطن

زر الذهاب إلى الأعلى