featuredالشرق الاوسط والعالم

احتمالان لا ثالث لهما.. صحيفة “The Telegraph” تتحدث عن مصير مجتبى خامنئي وهذا ما كشفته

ذكرت صحيفة “The Telegraph” البريطانية أن “نظام المافيا الذي لا يملك زعيماً لا ينهار على الفور، بل ينقسم إلى صراعات داخلية، حيث تنقلب العشائر الأوليغارشية المتنافسة، التي كانت تخضع لسيطرة رجل قوي واحد، على بعضها البعض في صراع على السلطة والموارد. هذا هو حال إيران اليوم، في أعقاب الحرب. تسعى وسائل الإعلام الغربية جاهدةً لإيهام القراء بأن الجمهورية الإسلامية خرجت “أقوى” من الحرب الإيرانية، لكن هذا الاستنتاج غير صحيح.

وبالطبع، سعى النظام نفسه إلى تصوير الحشود التي حضرت جنازة المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، التي استمرت أسبوعًا كاملًا، على أنها استعراض لوحدة النخبة وقوتها وسيطرتها. ولكن خلف الكواليس، بدأت تظهر انقسامات عميقة وصراعات داخلية مريرة، تغذيها حالة الفراغ السياسي التي خلفها رحيل آية الله. في الواقع، لم يعد موكب الجنازة استعراضاً لقوة النظام بقدر ما أصبح تذكيراً بعدم استقراره: فالمرشد الأعلى الجديد، مجتبى نجل علي خامنئي، لم يكن له وجود، وقد طغى غيابه على الحدث برمته”.

وبحسب الصحيفة: “بعد توليه السلطة، اختفى مجتبى، الذي يدّعي النظام أنه نجا من الهجوم المدمر على مجمع والده والذي أودى بحياة زوجته وابنه أيضاً، عن الأنظار. بعبارة أخرى: لا يوجد دليل على أنه على قيد الحياة. وحتى جنازة والده، كان اسم مجتبى بمثابة غراء سياسي يمنع العشائر الأوليغارشية للنظام من التناحر في ما بينها على السلطة والموارد، بدلاً من الأيديولوجية التي تتفق كلها عليها.

واستندت الفصائل المختلفة إلى سلطته كوسيلة لكبح جماح العشائر المتنافسة، وإضفاء الشرعية على أفعالها، ومنع الصراع الداخلي على السلطة في النظام من الظهور للعلن؛ ولكن كل هذا تم على أساس افتراض أن الزعيم الأعلى الجديد ما زال على قيد الحياة، وقادرًا على إدارة شؤون الدولة. هذا الافتراض يتغير الآن بهدوء بين نخبة النظام، ورغم أن لا أحد يجرؤ على التصريح بذلك علنًا، إلا أن احتمال أن يكون الزعيم الأعلى الجديد إما عاجزًا تمامًا أو متوفى بات من الصعب استبعاده”.

وتابعت الصحيفة: “الحقيقة هي أن قلة قليلة فقط ستكون على دراية بوضع مجتبى السري للغاية، وعلى رأسهم رئيس الحرس الثوري الإسلامي الجديد، أحمد وحيدي، الذي يمكن القول إنه الشخصية الأقوى في النظام اليوم. إن وجود قائد أعلى وهمي، إما ميت أو عاجز، سيخدم بلا شك مصالح وحيدي والحرس الثوري بشكل عام، مما يُمكّنهم من تبرير وتوطيد سلطتهم ومواردهم باسم مجتبى دون أي معارضة.

في الواقع، قد يصبح مفهوم “مجتبى الخفي” آليةً للحفاظ على الدولة الشيعية الأصولية وتخفيف حدة أزمة الخلافة. إن التشابه مع عقيدة الإمام الغائب في المذهب الشيعي الاثني عشري لافت للنظر؛ فبعد أن اختفى محمد المهدي، سليل النبي محمد والإمام الثاني عشر عند الشيعة، في طفولته، طوّر رجال الدين الشيعة عقيدة الغيبة: الاعتقاد بأن الله أخفى المهدي عام 874 ميلاديًا، وأنه سيعود يومًا ما.

وحتى تلك اللحظة، كما زعموا، كان المؤمنون مُلزمين بالبقاء أوفياء للإمام الغائب، بينما تولت السلطات الدينية دور تفسير إرادته وإنفاذها. ومع كون المهدي آخر إمام في سلالة الشيعة، حلت عقيدة الغيبة أزمة الخلافة بالحفاظ على سلطته واستمرارية المذهب الشيعي الاثني عشري؛ بل إنهم عينوا ممثلين خاصين متعاقبين زعموا أنهم يتواصلون نيابة عن الإمام الغائب، وهو دور يبدو أن الحرس الثوري الإيراني قد تبناه اليوم للمجتبى الغائب”.

وأضافت الصحيفة: “لكن هذه الاستراتيجية الخادعة المحيطة بمجتبى لن تنجح إلا ما دام المؤمنون، ولا سيما العشائر الأوليغارشية المتنافسة، يؤمنون بها. ومع تراجع هذا الإيمان، تنزلق الجمهورية الإسلامية إلى أزمة نخبة وخلافة حادة تهدد بقاء النظام؛ وذلك لأنه في نظامٍ تعتمد فيه سلطة الفصائل المتنافسة وأموالها ومصالحها على سلطة المرشد الأعلى، فإن عدم اليقين بشأن سلطة مجتبى يهدد بقاءها. في الواقع، لقد اشتدت المنافسة، إذ لا يمكن للعشائر المختلفة أن تقف مكتوفة الأيدي وتراهن بمستقبلها على مرشدٍ وهمي.

ومع تجدد الحرب على إيران في أعقاب هجمات جديدة للحرس الثوري الإيراني، والتي يُحتمل أن تكون مدفوعة بصراعات داخلية بين النخب، فإن توقيت هذا الصراع الداخلي على السلطة والمال لا يُمكن أن يكون أسوأ. وعلى الرغم من مزاعم وسائل الإعلام الغربية، فقد أدت الجولة السابقة من الصراع إلى إضعاف القدرات العسكرية للنظام بشكل كبير؛ فقد تعرض أكثر من 12300 موقع عسكري تابع له للقصف الأميركي، وأصبحت دفاعاته الجوية شبه معطلة، كما تراجعت قدراته الصاروخية الباليستية بشكل حاد. كما ألحقت الحرب الإيرانية أضراراً بالغة بالاقتصاد الإيراني، حيث أفادت وسائل الإعلام الرسمية بأن التضخم تجاوز 100% في 11 محافظة إيرانية على الأقل، في حين ارتفعت أسعار بعض السلع الأساسية بنسبة 200% على الأقل، وأصبح أكثر من مليون شخص عاطلين عن العمل في أول 40 يوماً فقط من الصراع”.

وبحسب الصحيفة: “في غضون ذلك، لم يتراجع السخط الشعبي ضد النظام في إيران منذ احتجاجات كانون الثاني، التي شهدت مجزرة ارتكبتها الجمهورية الإسلامية بحق ما لا يقل عن 40 ألف مدني. وتدرك الجمهورية الإسلامية تماماً أن موجة الاضطرابات المقبلة ضد النظام مسألة وقت لا أكثر. ومع استهداف الضربات الأميركية للجمهورية الإسلامية مرة أخرى، فإن الحقيقة هي أن النظام ربما يكون في أضعف حالاته منذ عام 1979. لكن ثمة شرط واحد يجب أخذه في الاعتبار؛ فإذا استطاع الحرس الثوري الإيراني الصمود خلال العامين والنصف المقبلين، وتجاوز فترة رئاسة دونالد ترامب، فقد يُقدم على عملية تطهير واسعة النطاق للفصائل المنافسة داخل النظام، مُقتلعاً بذلك العشائر الأوليغارشية المتنافسة، ومُرسخاً نظاماً إسلامياً جديداً يهيمن عليه الحرس الثوري. ستُنفَّذ هذه الحملة التطهيرية، بطبيعة الحال، باسم “التطهير الأيديولوجي” واستئصال الفساد، وهي استراتيجية سبق للحرس أن نفّذها. وإذا ما حدث هذا السيناريو، وهو احتمال وارد، فقد يخرج النظام، نظرياً، أكثر مركزية وتماسكاً، بل وأقوى”.

وختمت الصحيفة: “لكن في الوقت الراهن، لا ينتظر الجمهورية الإسلامية سوى عاصفة هوجاء، إذ يواجه النظام حربًا على جبهتين: من الخارج ومن الداخل. ومع مرور كل يوم، يزداد غياب مجتبى غموضًا بشأن صحته وسلطته، بل وحتى وجوده. وفي غيابه، حتى أقوى أنظمة المافيا لا تستطيع منع فصائلها من الاقتتال في ما بينها في صراع على السلطة والمال والبقاء. لا تخطئوا: هذا ليس نظاماً يخرج أقوى من الحرب؛ إنه نظام سياسي يواجه أخطر أزمة وجودية واجهها منذ عقود”.

ترجمة “لبنان 24”

زر الذهاب إلى الأعلى