من كوريا إلى كشمير… عقيدة “الحزب” سقطت

تبدأ الدول بالبحث عن الدبلوماسية حين تتحول الشعارات إلى أنقاض. لا دولة في العالم انتصرت لأنها رفضت التفاوض، ولا سيادة حُميت لأنها أنكرت قواعد الاشتباك. التاريخ لا يكرّم من يرفع السقف، بل من يعرف كيف يحمي وطنه وهو في أصعب اللحظات.
لم تعترف الكوريتان ببعضهما، لكنهما وضعتا قواعد واضحة: من يقف أين، من يملك ماذا، ما الذي يُعد اعتداءً وما الذي لا يُعد، بقواعد اشتباك وآليات رقابة واضحة للإبلاغ عن الحوادث، وإنشاء “خط الترسيم العسكري”. هذا بالضبط ما استطاع لبنان، بقواعد اشتباك مكتوبة تحميه دولياً وميدانياً في اتفاق الإطار، أن يحصل عليه، من دون أن يتضمن ذلك أي اعتراف سياسي بإسرائيل.
وقبل توقيع الهدنة، أصرّ الجانب الكوري الجنوبي على أن يكون جيشه حاضراً فعلياً على الأرض. والانتشار العسكري على الخط لم يكن نتيجة الاتفاق، بل شرطه. وهذا ما لا تزال الحكومة اللبنانيّة تمهد لتنفيذه. فانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني ليس هدية تُقدَّم لإسرائيل، بل هو استعادة السيادة على أرض لبنانية، وهذا في حد ذاته انتصار استراتيجي، بعيداً عما فشل حزب الله في إثباته، حتى الحصار الأخير لتلة علي الطاهر في الجنوب.
جلست رئيسة الوزراء الهندية إنديرا غاندي مع نظيرها الباكستاني ذو الفقار علي بوتو في مدينة شيملا عام 1972، بعد الهزيمة الباكستانية الكبرى في حرب بنغلاديش، متبعةً أسلوباً لافتاً حين رفضت تسمية خط الفصل في كشمير “حدوداً دولية”، لأن ذلك يعني تنازلاً عن الموقف الهندي. لكنها قبلت تسميته “خط سيطرة” من دون الاعتراف ولا الرفض، لكنه يُجمّد الواقع الميداني ويمنع التصعيد.
اختارت كلمات حمت موقف الهند لعقود. ورغم الخسارة التي مُني بها “الحزب” في الميدان، يستمر في اتهام الدولة بالتطبيع النهائي، في وقت تصر على “اتفاق إطار” لا على “معاهدة سلام”، وعلى “لجنة مشتركة” وليس “تطبيعاً”. ولكان الأجدر بإسرائيل أن تطرح التطبيع النهائي قبل أي اتفاق تقني، بعد هزيمتها للحزب، وهو ما يثبت أن الدولة، حتى الآن، فكرة لا يزال يؤمن بها الجميع في مواجهة غباء “الميليشيا”.
أما من ناحية بوتو، فجلس على الطاولة وأنقذ 93 ألف جندي باكستاني في الأسر الهندي. لأنه أدرك أن الدولة المنهارة لا تتفاوض، والدولة الحية تتفاوض دائماً.
الحقيقة التي يخشاها دعاة الشعارات من حزب الله أن الدول لا تُهزم حين تتفاوض، بل حين تترك قرارها للمغامرة تحت أنقاضها. وأخطر ما خسره “الحزب” لم يكن موقعاً عسكرياً ولا جولةً ميدانية، بل الفكرة التي عاش عليها لعقود: أن “لبنان لا يُحمى إلا ببندقيته”.
عامر خضر آغا – Mtv

