الذهب يلمع مجدّدًا… إلى أين تتجّه الأسعار؟
هل يُواصل الذهب مساره الصعودي في المرحلة المقبلة، أم أن المتغيّرات الاقتصادية والجيوسياسية ستفرض عليه موجة جديدة من التراجع؟ سؤال يتصدّر اهتمامات المستثمرين والأسواق العالمية في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم، وما يرافقها من انعكاسات مباشرة على أسعار النفط والتضخم والسياسات النقدية.
يُنظر إلى الذهب تقليديًا كملاذ آمن في أوقات الأزمات، لكنه بات أكثر ارتباطًا من أي وقت مضى بمسار أسعار الفائدة وتوقعات التضخم العالمية. ومع كل تطور سياسي أو اقتصادي بارز، تعيد الأسواق تقييم توجهاتها الاستثمارية، ما ينعكس بصورة مباشرة على حركة المعدن الأصفر صعودًا أو هبوطًا.
وفي وقت تتزايد فيه التوّقعات بشأن اتجاه أسعار الذهب خلال المرحلة المقبلة، تبرز تساؤلات حول العوامل التي ستُحدّد مساره، سواء لناحية التطورات الجيوسياسية أو توجهات المصارف المركزية الكبرى. كما تكتسب هذه التحرّكات أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان، الذي يمتلك احتياطات ذهبية ضخمة تشكل إحدى أبرز ركائز قوّته المالية، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار المعدن الأصفر عاملا إيجابيًا يُعزّز قيمة هذه الأصول الاستراتيجية في مرحلة يواجه فيها البلد تحديات اقتصادية ومالية غير مسبوقة.
سبب الانخفاض
يوضح كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث في “بنك عودة” د. مروان بركات لـ “نداء الوطن”، أن “الذهب انخفض بنحو 20 % منذ بداية الحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية وحتى يوم الجمعة الماضي. ويعزو ذلك إلى الارتفاع الكبير في أسعار النفط، والذي بلغ نحو 40 %، ما أدّى إلى زيادة معدلات التضخم، لتصل في الولايات المتحدة إلى 4.2 %، وهو مستوى يفوق التوقعات ويُعدّ مرتفعًا مقارنة بما شهدته الأسواق الأميركية خلال السنوات الأخيرة”.
يضيف: “أن ارتفاع التضخم أدّى إلى تبدّل توقعات الأسواق بشأن السياسة النقدية الأميركية، إذ كانت التقديرات قبل اندلاع الحرب تشير إلى أن الاحتياطي الفدرالي سيُقدم على خفض أسعار الفائدة مرتين خلال العام، بمقدار ربع نقطة مئوية في كل مرة. إلا أن هذه التوقعات تبدلت لاحقاً، لتصبح الأسواق ترجّح رفع الفائدة بنحو ربع نقطة مئوية بحلول كانون الأول، نتيجة الضغوط التضخمية المتزايدة”.
ويشرح بركات أن “ارتفاع أسعار الفائدة يؤثر سلبًا على الذهب، باعتباره أصلا لا يدرّ أي عائد أو فائدة لحامليه، وبالتالي فإن توقعات رفع الفوائد تجعل الاستثمارات المدرة للعائد أكثر جاذبية مقارنة بالمعدن الأصفر، ما ينعكس ضغطاً على أسعاره”.
يتابع: “لكن منذ يوم الجمعة الماضي وحتى اليوم، انعكست الصورة بشكل ملحوظ، وذلك نتيجة بروز مؤشرات على اتفاق أميركي – إيراني، ومن ثم الإعلان عن الاتفاق الذي ساهم في خفض أسعار النفط بصورة ملموسة. وقد أدّى ذلك إلى تراجع توقعات التضخم وانحسار احتمالات رفع أسعار الفائدة، الأمر الذي انعكس إيجابًا على الذهب، فارتفع سعره بنحو 5 إلى 6 % منذ الإعلان عن الاتفاق الأميركي – الإيراني”.
ويرجّح بركات “استمرار الاتجاه الصعودي للذهب خلال المرحلة المقبلة”، مشيرًا إلى أن “التوّقعات السائدة في الأسواق تُرجّح المزيد من الارتفاع في أسعاره”.
ذهب لبنان
يعتبر بركات أن “هذا الأمر يُشكّل عاملا إيجابيًا للبنان، الذي يمتلك نحو 9.2 ملايين أونصة من الذهب، فيما تُقدّر قيمة احتياطاته الذهبية بنحو 40 مليار دولار، أي ما يفوق 100 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من أعلى النسب المسجّلة عالميًا”.
ويشير إلى أنه “في ظل الأزمة المالية غير المسبوقة التي يمر بها لبنان، بات من الضروري التفكير بجدية في كيفية الاستفادة من جزء من هذه الاحتياطات الذهبية للمساهمة في معالجة الأزمة المالية، سواء من خلال الرهن أو التسييل أو الاستثمار أو أي آليات أخرى مناسبة”.
ويؤكد بركات أن “هذا الملف يستحق نقاشًا جديًا، خصوصًا أن لبنان يواجه واحدة من أشد الأزمات المالية في العالم، والتي تُصنّف بين الأصعب منذ عام 1850 وحتى اليوم”.
في المحصلة، يبقى مسار الذهب خلال المرحلة المقبلة مرتبطًا بمجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها تطورات الأوضاع الجيوسياسية واتجاهات التضخم وقرارات المصارف المركزية الكبرى بشأن أسعار الفائدة. وبينما ترجّح العديد من التوقعات استمرار الاتجاه الصعودي للمعدن الأصفر، تبقى الأسواق عرضة لتقلبّات سريعة قد تُعيد رسم المشهد في أي لحظة.
أما بالنسبة إلى لبنان، فإن ارتفاع أسعار الذهب يُشكّل عاملا إيجابيًا يُعزّز قيمة احتياطاته الاستراتيجية ويمنحه هامشًا إضافيًا من القوة المالية في ظل الأزمة الراهنة. غير أن تحويل هذه الميزة إلى فرصة حقيقية يبقى رهنًا بقدرة الدولة على إدارة مواردها بكفاءة، ووضع مقاربة اقتصادية متكاملة تتيح الاستفادة من الأصول الوطنية ضمن إطار يحفظ حقوق اللبنانيين ويدعم مسار النهوض المالي والاقتصادي.
رماح هاشم – نداء الوطن

