استقرار لبنان… مفتاح أمن الغاز والطاقة في شرق المتوسط

لا تنظر الولايات المتحدة إلى أي تفاهم محتمل مع إيران من زاوية الملف النووي وحده، بل من خلال رؤية أوسع تتعلق بإعادة ترتيب الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، تمتد من الخليج إلى شرق البحر المتوسط. فهذه الضفة من العالم لم تعد مجرد ساحة نزاعات سياسية، بل أصبحت ممراً استراتيجياً للتجارة الدولية والطاقة وخطوط النقل البحري والاتصالات، كما أنها تشكل نقطة ارتكاز في المنافسة الدولية على النفوذ بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.
ومن هنا، فإن أي اتفاق أميركي – إيراني، إذا أبصر النور، لن يكون هدفه فقط منع التصعيد العسكري، بل خلق بيئة أكثر استقراراً تسمح بحماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الأميركية في المنطقة. فواشنطن تدرك أن استمرار الحروب والاضطرابات على شواطئ شرق المتوسط يهدد مشاريع الطاقة والاستثمار ويزيد من نفوذ القوى المنافسة لها.
ويحتل لبنان موقعاً محورياً في هذه المعادلة. فهو ليس مجرد دولة صغيرة على الساحل الشرقي للمتوسط، بل بوابة جغرافية وسياسية تتقاطع عندها مصالح إقليمية ودولية. كما أن موانئه وحدوده البحرية وارتباطه بملفات الغاز والطاقة تجعل استقراره جزءاً من معادلة أوسع تتجاوز حدوده.
لذلك، فإن الولايات المتحدة لديها مصلحة مباشرة في أن يبقى لبنان بعيداً عن أي مواجهة عسكرية واسعة، لأن انفجار الوضع فيه سيؤثر على مجمل شرق المتوسط، وسيهدد حركة الملاحة والاستثمارات ويعطل أي مشاريع اقتصادية مستقبلية في المنطقة.
أما إيران، فإنها تدخل أي تفاوض انطلاقاً من مصالحها الوطنية أولاً. وإذا رأت أن التفاهم مع واشنطن يحقق لها مكاسب اقتصادية وسياسية ويخفف الضغوط عنها، فمن الطبيعي أن تعطي الأولوية لهذه المصالح. وهذا ليس استثناءً في العلاقات الدولية، بل هو جوهر السياسة التي تقوم على حسابات الدول لا على الشعارات.
وهنا يبرز السؤال أمام حزب الله: إذا كانت طهران نفسها تفاوض وفقاً لمصلحة الدولة الإيرانية، فهل يبقى من المنطقي أن يربط مستقبل لبنان بمواجهة مفتوحة قد لا تكون ضمن أولويات المرحلة الجديدة؟ وهل يستطيع الحزب تجاهل التحولات الدولية والإقليمية إذا اتجهت نحو التهدئة وإدارة النفوذ عبر السياسة بدلاً من السلاح؟
لقد أثبتت التجارب أن التحالفات تتبدل، وأن الدول تعيد تموضعها عندما تقتضي مصالحها ذلك. أما لبنان، فلا يملك ترف انتظار نتائج هذه التحولات وهو يعاني أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة. بل إن مصلحته تكمن في الاستفادة من أي مناخ إقليمي هادئ لإعادة بناء الدولة واستعادة الثقة العربية والدولية وجذب الاستثمارات.
إن شرق المتوسط يتجه ليكون أحد أهم مراكز الاقتصاد والطاقة في العقود المقبلة، ولن يكون للبنان مكان في هذه المعادلة إذا بقي ساحة لتصفية الحسابات. لذلك فإن الحاجة الأميركية إلى الاستقرار على هذه الضفة من العالم تلتقي مع حاجة اللبنانيين أنفسهم إلى دولة قوية تحتكر قرار الحرب والسلم، وتعيد توجيه موقع لبنان من ساحة نزاع إلى منصة تعاون وانفتاح.
فإذا كانت أميركا تفاوض من أجل مصالحها، وإيران تفاوض من أجل مصالحها، فإن المصلحة اللبنانية تقتضي أن يكون الرهان الأول على الدولة اللبنانية ومؤسساتها. فلبنان ليس مجرد ورقة في صراع إقليمي، بل رئة طبيعية لشرق المتوسط، واستقراره أصبح مصلحة لبنانية ودولية في آن واحد.
سعد شعنين- موقع MTV

