بين واشنطن وطهران وتل أبيب… من يتحكّم بمسار المواجهة؟

كتبت جوزفين موسى – جديدنا نيوز
لم تكد المنطقة تلتقط أنفاسها بعد إعلان وقف إطلاق النار، حتى أعادت التطورات الميدانيّة الأخيرة طرح الأسئلة نفسها حول مستقبل التهدئة الهشّة، وقدرة القوى الدوليّة على ضبط مسار المواجهة. فالتصعيد الذي شهدته الساعات الماضية، وما رافقه من تبادل للاتّهامات بشأن خرق وقف إطلاق النار، أعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة متجدّدة حول قدرة الأطراف الدوليّة على ضبط مسار المواجهة، وحول حقيقة الأدوار التي تلعبها القوى الكبرى في إدارة الصراع الاقليميّ.
ويأتي الدور الأميركيّ في صدارة هذه التساؤلات، في ظلّ التباين بين خطاب واشنطن الدبلوماسيّ، ودعمها المستمرّ لإسرائيل. فالولايات المتّحدة تقدّم نفسها راعيةً للتحرّكات الدبلوماسيّة الهادفة إلى تثبيت التهدئة، لكنّها في الوقت نفسه تبقى الحليف الأكثر قربًا لإسرائيل، والداعم الرئيسيّ لها، سياسيًّا وعسكريًّا. من هنا تبرز علامات الاستفهام حول مدى قدرة واشنطن على إلزام حلفائها بتعهّداتهم، وما إذا كانت التطوّرات الأخيرة تعكس فقدانًا للسيطرة على مسار الأحداث، أم مجرّد توزيع للأدوار بين الدبلوماسيّة الاميركيّة، والتحرّكات العسكريّة الإسرائيليّة. ويكتسب هذا السؤال أهميّة إضافيّة، في ضوء الحديث عن تجاهل رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، الدعوات الأميركيّة لعدم التوسّع في الردّ العسكريّ. فهل يعكس ذلك تراجعًا للنفوذ الأميركيّ على القرار الإسرائيليّ، أم أنّ ما يجري يدخل في إطار تفاهمات غير معلنة، تسمح لكلّ طرف بأداء دور محدّد يخدم أهدافًا مشتركة؟
في المقابل، أظهرت إيران خلال مسار المفاوضات الأخيرة، حذرًا واضحًا تجاه أيّ تفاهمات طويلة الأمد. فطهران دخلت المفاوضات، وهي تحمل إرثًا طويلًا من الشكوك تجاه الضمانات الاميركيّة، وبدت وكأنّها تتعامل مع المفاوضات بحذر شديد، نابع من قناعة، بأنّ التجارب السابقة لا تسمح بالرهان الكامل على التعهّدات الأميركيّة، لذلك حافظت على استعدادها للردّ السريع على أيّ تطوّر ميدانيّ، وهو ما ظهر جليًا في سرعة تفاعلها مع الأحداث الأخيرة، في رسالة تؤكّد أنّها ما زالت لاعبًا أساسيًا، لا يمكن تجاوزه أو التعامل معه، باعتباره مجرّد طرف مراقب. فالردّ السريع على استهداف الضاحية الجنوبيّة للبنان، لم يكن موجّهًا إلى إسرائيل فحسب، بل حمل رسائل إلى مختلف الأطراف الإقليميّة والدوليّة، مفادها أنّ إيران ما زالت تمتلك القدرة على التأثير في معادلات القوّة والردع في المنطقة.
من بين النقاط اللافتة أيضًا، إصرار طهران على أن يشمل أيّ وقف لإطلاق النار، الجبهة اللبنانيّة، في إشارة إلى تمسّكها بمفهوم ترابط الساحات، وعدم الفصل بين جبهات المواجهة المختلفة، وهو موقف يعكس رؤية استراتيجيّة تعتبر أنّ أيّ تهدئة جزئيّة لإعادة ترتيب أولويّاتها العسكريّة، بدلًا من معالجة أسباب التوتّر بشكل شامل.
يبقى السؤال الأبرز متعلّقًا بمسؤولية انتهاك اتّفاقات وقف إطلاق النار. فهل تتحمّل واشنطن وحدها مسؤوليّة الفشل في فرض احترام هذه التفاهمات، باعتبارها الراعي الاساسيّ لها؟ أم أنّ المسؤوليّة موزّعة بين أطراف متعدّدة لكلّ منها حساباته ومصالحه الخاصّة؟ المؤكّد أنّ تكرار الانتهاكات يُضعف الثقة بالجهود الدبلوماسيّة الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، ويجعل الاتفاقات السياسيّة أكثر هشاشة وأقل قدرة على الاستمرار؛ وربما تكمن المفارقة في أنّ المواجهات بين إيران وإسرائيل باتت تسير وفق نمط شبه ثابت: تصعيد عسكريّ يستمرّ أيامًا معدودة، يتبعه تدخّل سياسيّ ودبلوماسيّ مكثّف، يعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة. وبين كلّ جولة وجولة، تتراكم أسباب الصراع من دون أن تجد طريقها إلى الحلّ، ما يبقي احتمالات التصعيد قائمة في أيّ وقت، باستثناء الوضع في الجنوب، الذي يعيش يوميًّا أهوال الغارات في ظل صمت السلطة اللبنانيّة، ومحدودية التحرّك الرسميّ اللبنانيّ.
وفي موازاة هذا المشهد يبرز الدور اليمنيّ كعامل إضافيّ، في معادلة الصراع الاقليميّ. فعلى الرغم من فترات الصمت النسبيّ، عادت صنعاء لتؤكّد حضورها، من خلال مواقف وتصريحات، حملت رسائل مباشرة إلى الأطراف المنخرطة في المواجهة. فمِنَ التلويح للمملكة الأردنيّة الهاشميّة بوقف اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة المتّجهة نحو إسرائيل، إلى التهديد بفرض قيود على الملاحة المرتبطة بالعدوّ في البحر الأحمر، وصولًا إلى اعتبار تحرّكاته العسكريّة أهدافًا مشروعة، يبدو أنّ اليمن، يسعى إلى تثبيت موقعه ضمن معادلات الضغط الإقليميّ، وإثبات أنّ دوره لم يعد هامشيًّا في أيّ ترتيبات تخصّ مستقبل المنطقة.
تكشف التطوّرات الأخيرة أنّ وقف إطلاق النار ما زال هشًّا، وأنّ موازين الردع والتأثير بين الأطراف الإقليميّة والدوليّة، لم تستقرّ بعد. فحين تبقى المبادرات الدبلوماسيّة عاجزة عن تحويل التهدئة المؤقّتة إلى استقرار دائم، وتتعدّد مراكز القرار بين واشنطن، وتل أبيب، وطهران وساحات المواجهة المختلفة، فإنّ السؤال لا يعود من انتهك وقف إطلاق النار أو لا، بل إلى أيّ مدى ما زال هذا الوقف قابلًا للحياة أساسًا؟ وبينما تتكرّر جولات التصعيد والتهدئة بالوتيرة نفسها، يبقى الشرق الأوسط عالقًا في دائرة صراع مفتوحة، تتبدّل فيها الوقائع الميدانيّة، فيما تبقى الأسئلة الكبرى معلّقة من دون إجابات حاسمة.

