هل يمكن لشركات التكنولوجيا أن تتقبل نماذج الذكاء الاصطناعي الأرخص ثمناً؟

بُنيت طفرة الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الماضية على فرضية أساسية مفادها أن النماذج الأكبر حجماً هي الأكثر قوة، وأن النماذج الأقوى هي التي ستفوز في النهاية.
لكن هذه القاعدة التي هيمنت على الصناعة بدأت تواجه اختباراً حقيقياً مع تصاعد تكاليف التشغيل وتزايد الاهتمام بالنماذج الأصغر والأقل تكلفة.
ومع ارتفاع نفقات استخدام الذكاء الاصطناعي، بدأت الشركات والعملاء في إعادة النظر في الاعتماد الدائم على النماذج العملاقة، وهو تحول قد يعيد رسم خريطة المنافسة في القطاع بأكمله، بحسب تقرير نشره موقع “تك كرانش” واطلعت عليه “العربية Business”.
%80 من المهام قد تنتقل إلى نماذج أرخص
يرى برايان أرمسترونغ، المؤسس المشارك لشركة Coinbase، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي يكاد يكون غير محدود، لكنه يتوقع أن تعمل نحو 80% من المهام على نماذج تقل تكلفتها بنسبة تصل إلى 99% خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً فقط.
وبحسب توقعاته، ستظل 20% فقط من التطبيقات تعتمد على أحدث النماذج المتقدمة، في المجالات التي تتطلب أعلى مستويات الأداء والاستدلال.
إذا تحقق هذا السيناريو، فسيعني تحولاً جذرياً في اقتصاديات الذكاء الاصطناعي، إذ ستتراجع الحاجة إلى استخدام النماذج الأغلى والأكثر استهلاكاً للموارد في معظم الاستخدامات اليومية.
ضربة محتملة لكبرى مختبرات الذكاء الاصطناعي
حتى الآن، كانت المنافسة بين شركات الذكاء الاصطناعي تتركز على جودة الأداء، ما دفع المؤسسات إلى اختيار النماذج الأقوى تلقائياً.
لكن إذا تمكنت النماذج الأصغر من تقديم النتائج نفسها تقريباً بتكلفة أقل بكثير، فإن جزءاً كبيراً من الإيرادات التي تحصل عليها الشركات المطورة للنماذج العملاقة قد يتعرض للضغط.
وقد يمثل ذلك تحدياً مالياً لشركات مثل “OpenAI” و”أنثروبيك”، خاصة في ظل استعدادها لجولات تمويلية ضخمة أو طروحات عامة محتملة في المستقبل.
تجربة عملية تؤكد الفكرة
أظهرت تجربة أجرتها شركة Harvey المتخصصة في الخدمات القانونية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أن الاعتماد على مزيج من النماذج الكبيرة والصغيرة يمكن أن يحقق وفورات كبيرة دون التأثير على جودة النتائج.
وبالتعاون مع منصة “Fireworks”، تمكنت الشركة من خفض تكاليف الاستدلال (Inference) بمقدار ثلاثة أضعاف، عبر إسناد المهام المعقدة فقط إلى نموذج Claude Opus، بينما تولت نماذج أصغر تنفيذ بقية العمليات.
وقال المؤسس المشارك لشركة Harvey، غابي بيريرا، إن مفهوم الجودة لم يعد يعني استخدام أقوى نموذج في كل مرة، بل اختيار النموذج الأكثر كفاءة القادر على تقديم الإجابة الصحيحة بأقل تكلفة ممكنة.
المعركة الحقيقية ليست بين أميركا والصين
غالباً ما تُصوَّر المنافسة الحالية على أنها صراع بين النماذج الأميركية المغلقة والنماذج الصينية أو مفتوحة المصدر، لكن العديد من الخبراء يرون أن الانقسام الحقيقي يتمثل في الفارق بين النماذج الكبيرة والصغيرة.
التوفير في التكاليف لا يعتمد بالضرورة على الانتقال من نموذج أميركي إلى آخر صيني، بل يمكن تحقيقه أيضاً عبر استخدام إصدارات مصغرة من النماذج نفسها إذا كانت قادرة على إنجاز المهمة المطلوبة بالكفاءة ذاتها.
نهاية عصر “الأكبر دائماً أفضل”
اعتمدت مختبرات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الماضية على استراتيجية التوسع المستمر في حجم النماذج وقدراتها الحاسوبية، مدفوعة باستثمارات ضخمة غطّت جانباً كبيراً من تكاليف التشغيل.
لكن مع تباطؤ الدعم المالي وارتفاع أسعار الاستخدام، بدأت الشركات تواجه ضغوطاً تدفعها للبحث عن حلول أكثر كفاءة.
ورغم أن مستقبل هذا التوجه لا يزال غير محسوم، فإن نجاح النماذج الأصغر في تلبية احتياجات المؤسسات قد يؤدي إلى تباطؤ الطلب على قدرات الحوسبة الهائلة المطلوبة لتشغيل النماذج العملاقة، كما قد يثير تساؤلات جوهرية حول جدوى إنفاق مليارات الدولارات على تدريب أجيال جديدة من نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
وفي حال استمر هذا التحول، فقد يشهد القطاع خلال السنوات القليلة المقبلة انتقالاً من سباق “النمو بلا حدود” إلى سباق جديد عنوانه “الكفاءة أولاً”.

