الثورات بدأت … جيل Z يصرخ: لسنا أرقاما نحن المستقبل

كتب جان زغيب – جديدنا نيوز
في مدن بعيدة وقريبة، من الرباط إلى الدار البيضاء، من مدغشقر إلى كاتماندو، ومن ليما إلى شوارع عواصم لم تتعلّم الإصغاء… جيل كامل ينهض. جيل وُلد في زمن الإنترنت، وعاش أزمات السياسة والاقتصاد، واكتشف باكراً أن “الوعود” لا تطعم خبزاً ولا تحفظ كرامة.
جيل Z اليوم لا يثور فقط على أسعار مرتفعة أو خدمات متهالكة. هو يثور لأن الكرامة لم تعد رفاهية، ولأن صوته الرقمي لم يعد يُسكت بالشعارات. هؤلاء الشباب الذين حوّلوا هواتفهم إلى منصات إعلامية، وأحاديثهم على السوشال ميديا إلى حركات جماهيرية، يكتبون التاريخ بلغتهم الخاصة: سريعة، مباشرة، لا تخاف من كسر الطابوهات.
في المغرب، خرج الآلاف تحت شعار “جيل زد 212”. البداية كانت مأساة أمّهات فقدن حياتهنّ في غرف الولادة بسبب نظام صحي مهترئ. ثم تحوّلت الغصّة إلى انتفاضة: لماذا تذهب ميزانيات الدولة إلى ملاعب رياضية ومشاريع استعراضية، فيما المستشفيات بلا تجهيزات والمدارس بلا أمل؟
الشباب طالبوا باستقالة الحكومة، بإعادة توزيع الموارد بعدل، بفرص عمل تحفظ كرامة الخريجين. لم تعد الشعارات حول “الإصلاح” تقنعهم؛ يريدون تغييراً ملموساً، لا صوراً دعائية.
في مدغشقر، حيث الانقطاعات المزمنة للكهرباء والمياه تحوّل الحياة اليومية إلى صراع بقاء، نزل الشباب إلى الشوارع بوجوه غاضبة: “نحن آخر أمل قبل أن ينهار كل شيء”. الرئيس اضطر لإقالة الحكومة بعد أيّام من ضغط الشارع، لكن الرسالة أوضح من أي وقت مضى: هذا الجيل لن يقبل أن يعيش في الظلام.
في نيبال، كانت المعركة ضد الفساد وخنق حرية التعبير على الإنترنت. جيل Z هناك أطاح برئيس الوزراء بعد أسابيع من احتجاجات ضخمة رفضت الرقابة الرقمية والسرقة المنظمة لمستقبل البلد. هي ثورة على الخوف، يقودها شباب يعرفون قوة الكلمة والهاشتاغ أكثر من أي جيل سابق.
ما يجمع هذه الثورات
كرامة مغتصبة: لا يقبلون أن يولدوا في عالم بلا صحة وتعليم وعدالة.
فساد بلا محاسبة: مشاريع ضخمة تلتهم المليارات بينما الناس بلا خدمات.
بطالة خانقة: شهادات بلا قيمة وسوق عمل مغلق أمام الأحلام.
سلطة صمّاء: حكومات تعتبر غضب الشباب “فوضى” بدل أن تسمعه.
هوية رقمية قوية: شباب لا ينتظرون الإعلام الرسمي ليروا أنفسهم؛ هم يصنعون منصاتهم وينقلون حركتهم للعالم فوراً.
لبنان والمنطقة… متى ينفجر الصمت؟
قد يظن بعض الحكّام أن هذه الموجة بعيدة. لكن الحقيقة أن جيل Z العربي يعيش الظروف نفسها: غلاء، بطالة، غياب عدالة، خدمات عامة منهارة، وطبقة سياسية منفصلة عن الواقع. الفارق أن الغضب عندنا ما زال يتسرّب على شكل سخرية ونكات سوداء على السوشال ميديا… لكن الشرارة موجودة.
جيل يعيش على “الريل” و”التيك توك” ويعرف كيف يصنع رأياً عاماً في ساعات، لن يبقى متفرّجاً إلى الأبد. قد يأتي اليوم الذي تتحوّل فيه منشورات الغضب إلى شوارع مليئة بأصوات لا يمكن تجاهلها.
جيل Z ليس عاطلاً عن المعنى كما يتّهمه البعض. هو جيل يرفض القبول بالقليل، يثور لأن الحياة الرقمية جعلته يرى عالماً أفضل ويقارن واقعه القاسي بما يمكن أن يكون.
حين يتجاهل الساسة صوته، يصنع هو أدواته: فيديوهات، هاشتاغات، وقودها الغضب والأمل في آن.
جان زغيب
ناشر ورئيس تحرير منصة جديدنا نيوز
خبير استراتيجي بصناعة النفوذ الرقمي والاعلام الذكي

