Jadidouna the News

بين قيود الدولرة وتفلّت سعر الصرف من قواعد اللعبة الاقتصادية: أي تأرجح للسياسة النقدية؟

كتبت د. سهام رزق الله في الجمهورية
منذ الأزمة النقدية التي شهدها لبنان في الثمانينات، انطلق مسار الدولرة كخيار حرّ للقطاع الخاص، سعياً للحفاظ على قدرته الشرائية، ثم تراجع تدريجياً مع السياسة النقدية التقييدية عام 1992. ومع تثبيت سعر الصرف منذ 1997، انتظر الجميع أن تتراجع الدولرة في تلك الفترة، بعد تثبيت سعر الصرف بحدود 1507.5 طيلة 22 عاماً، إلّا أنّ الدولرة الجزئية غير الرسمية بقيت مرتفعة بحدود 70%، ومع انفجار الأزمة المالية-النقدية-المصرفية في الربع الأخير من العام 2019 ازدادت أكثر لتلامس 80% من الودائع اليوم، بعد أن خرج ربط سعر الصرف عن السيطرة. فما هي العلاقة بين الدولرة وتقلّبات سعر الصرف؟ أين السياسة النقدية من فلتان سعر الصرف من قيود الدولرة وقواعد اللعبة الاقتصادية؟

من المعلوم أنّ خصوصية الأزمة الحالية تختلف عن تلك التي شهدها لبنان في الثمانينات والتسعينات، والتي دفعت حينها العملاء الاقتصاديين نحو خيار الدولرة الجزئية وغير الرسمية، للمحافظة على القيمة الشرائية لمدخراتهم، في غياب الثقة بقدرة الليرة اللبنانية على المحافظة على وظائفها الأساسية، من وحدة الحساب والوسيط التجاري والاحتفاظ بالقيمة الشرائية للمدخرات.

في الأزمة الحالية لم تعد قواعد الدولرة تحمي أصحاب الودائع، بعد أن وظّفت المصارف أكثر من ثلثيها بين الاكتتاب بسندات خزينة الدولة بالدولار (اليوروبوند)، وشراء الجزء الأكبر أيضاً من شهادات إيداع مصرف لبنان بالدولار، لتعزيز إحتياطاته بالعملات الأجنبية. علماً أنّ الودائع بالدولار التي بلغت 120 مليار دولار، أي مرة ونصف من الناتج المحلي الإجمالي للبنان في بداية العام 2019 قبل اندلاع الأزمة، تتراجع بشكل متواصل، مع سحب المودعين كميات كبيرة منها بين شراء ذهب وتسديد ديون وشراء عقارات أو سيارات، او للاحتفاظ بالسيولة بالدولار والليرة، تحسباً للمزيد من شح النقد.

في الأزمة النقدية السابقة كان الدولار متوفراً، وتقلّب سعره المعترف به رسمياً، أما اليوم، فالدولار غائب والسوق الموازية تغذيها مواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات دون أي ضوابط ولا قواعد إقتصادية. من هنا، لا يمكن تصور الخروج من الأزمة بما حدث عام 1992، باعتماد قرار تثبيت سعر الصرف إلّا عند توفّر حجمٍ كافٍ من الدولارات لدى المصرف المركزي والمناخ المؤاتي للقضاء على لعبة الأسواق الموازية اياً تكن مصادرها وإمكانياتها.

وقف المضاربة وتأرجح الليرة بحاجة لقرار وإمكانيات

في الثمانينات، كان الخيار ضمنياً بالسماح للقطاع الخاص اللبناني باعتماد الدولرة الجزئية وغير الرسمية، ولم «تضفِ» السلطات النقدية الطابع الرسمي على استخدام الدولار، كعملة وطنية لدفع الضرائب والرسوم وتنظيم إجراءات الإدارة العامة، إلّا أنّ مصرف لبنان أنشأ غرفة مقاصّة للشيكات بالدولار وملأها ماكينات الصرف الآلي (ATM) عن طريق العملتين: الليرة اللبنانية والدولار الأميركي.

علماً أنّ التجربة القاسية لتضخم الثمانينات بدأت مع زيادة اللجوء الى طباعة الليرة اللبنانية، في غياب أي وسائل تمويل أخرى في خضم الحرب (لا إمكانية زيادات ضريبية ولا سابقة في اللجوء الى الاستدانة لا الداخلية والخارجية) قبل التوجّه التدريجي الى الدين العام الذي بدأ بالليرة اللبنانية، قبل أن يتمّ التوجّه التدريجي نحو الدين بالعملات الأجنبية عبر إصدار سندات اليوروبوند التي تنامت في التسعينات. وقد أرخت تلك الأزمة بظلالها بقوة على خيارات السياسة النقدية مطلع التسعينات، إذ تلقّى المصرف المركزي كرة النار، فكان عليه امتصاص التضخّم الذي أسهم سابقاً في حدوثه بشكل أساسي، بسبب زيادة الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية، إن لتمويل الدولة أو لتلبية احتياجات تمويلية تحت كل ضغوط تلك الحقبة من الحرب وعدم الاستقرار على جميع المستويات…هكذا بدأ تأثير ذكرى فترة التضخّم والدولرة الجزئية غير الرسمية التي اختارها اللبنانيون، حفاظاً على قدرتهم الشرائية على سلوك الحكومات والسلطة النقدية، بحثاً عن تثبيت استقرار قيمة العملة الوطنية وقدرتها الشرائية في مطلع التسعينات، بعد انتهاء الحرب ميدانيًا.

لكن بعد أكثر من 22 عاماً على هذا «الستاتيكو»، وبعد أن حافظت الدولرة على مستويات مرتفعة وتمدّدت الى كل النظام المصرفي لتشكّل حصة الأسد من التسليفات وأكثر من ثلث الدين العام، ومع تدهور وضع المالية العامة وتدهور ميزان المدفوعات والموجودات الخارجية للجهاز المصرفي، وبالتالي ضعف احتياطي المصرف المركزي بالدولار، تقلّصت إمكانية استمرار تدخّل مصرف لبنان لبيع الدولار مقابل الطلب المُتزايد عليه في السوق… وقد انقلبت موازين الوضع مع تزايد معاناة لبنان منذ عام 2011، من عجز في ميزان المدفوعات، ما عدا العام 2016 الذي حاولت فيه «الهندسات المالية» تعزيز استقطاب الدولار وزيادة احتياطي المصرف المركزي وطلب زيادة رساميل المصارف، التي تزايد انكشافها بالدولار، إن كان ذلك تجاه الدولة عبر الاكتتاب بـ»اليوروبوند» أو تجاه المصرف المركزي عبر شراء شهادات الإيداع منه بالدولار.

زر الذهاب إلى الأعلى