أعمال ومال

الخوري : انفلات الأسعار والتضخم الجامح بات قريباً

تحدث الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور بيار الخوري للاستاذ كميل بو روفايل في تحقيق لصحيفة 《النهار》 البيروتية شارك فيه ايضاً الخبير في الأسواق المالية الدكتور فادي خلف.

وجاء في مقال بو روفايل:

أكثر ما يثير خوف اللبناني الآن، هو المستويات التي تتجه إليها أسعار السلع والخدمات في الفترات المقبلة، فمؤشر الأسعار يسلك مساراً تصاعدياً منذ بدء الأزمة الاقتصادية، بحيث ارتفع التضخم بنسبة 119.84 في المئة في أيار 2021 مقارنة بالفترة عينها من العام السابق. وأمام التدهور الحادّ لليرة اللبنانية في السوق السوداء وتدنيها إلى أسفل قاع تبلغه في تاريخها بعد أن وصل الدولار إلى 17600 ليرة، بدأ التخوق الجدي من دخول لبنان في مرحلة التضخم الجامح الذي يعني ارتفاعاً هستيرياً في مستويات الأسعار بشكل متواصل. فهل دخل لبنان في مرحلة التضخم المفرط؟ وما اتجاهات الأسعار في الفترة الآتية؟

تقلّص النمو الاقتصادي في لبنان بنسبة تجاوزت الـ20 في المئة خلال العام 2020، يعني ذلك أنّ ارتفاع معدلات التضخم لم يكن حصيلة سياسات اقتصادية ضخت أموالاً لإطلاق عجلة الاقتصاد، إنما دخلنا في دوّامة تضخم سلبي. تواصل أسعار السلع والخدمات ارتفاعها، أكان في السوبرماركت أو نقاط البيع العادية، أو في السوق السوداء، فندرة السلع الناتجة عن ندرة الدولار الضروري للاستيراد خلقت أسواقاً سوداء عدّة، ومنها السوق الموازي للبنزين الذي سجّل فيه سعر الـ10 ليترات نحو 180 ألف ليرة لبنانية.

توقف دعم السلع الغذائية بشكل عام، فبحسب القيمين على هذا القطاع لم يدعم المركزي استيراد أي مادة غذائية منذ مدّة، وتوقف إثر ذلك العديد من المستوردين عن تقديم طلبات دعم. في حين يستمر الدعم على ربطة الخبز التي فقدت من وزنها ووصلت إلى أكثر من 4 آلاف ليرة لبنانية، مرتفعة الأسبوع الماضي مرتين متتاليتين. وإذا كانت معدّلات الفقر قد تجاوزت الـ50 في المئة من الشعب اللبناني، الذي فقد منه ما يقارب الـ19 في المئة من اللبنانيين مصادر دخلهم، لا يمكن وصف حال المواطنين في المرحلة الآتية والقريبة سوى بالكارثية، لأنّ جميع المؤشرات الاقتصادية والسياسية لا تدل سوى على مزيد من التعقيد والتدهور، ولكل هذه العوامل انعكاسها البارز على مستويات أسعار السلع والخدمات التي تتجه نحو ارتفاع هستيري بحسب الخبراء.

تتسبب عوامل عدّة في زيادة التضخم. ويمكن تصنيف هذه العوامل تحت ثلاثة عناوين أساسية؛ سعر الصرف، ندرة السلع، وحوكمة الأسعار. شرح الأكاديمي والخبير الاقتصادي بيار الخوري أنّ “تدهور الليرة سبب أساسي للتضخم الذي نشهده، لكن لا يوجد علاقة طردية متلازمة بين التضخم وسعر الصرف، بمعنى أن انخفاض الليرة لا يعني في كل مرّة صعود التضخم بنفس النسبة، وذلك للأسباب التالية:

_وجود سلّة من السلع مدعومة بطريقة أو بأخرى.
_الأجور التي تشكل عنصراً من عناصر الكلفة لا تزال مسعرّة بالليرة اللبنانية.
_وجود قيمة مضافة محلية على بعض السلع المستوردة، وغيرها العديد من الأسباب”.

أضاف الخوري أنّ “انهيار القطاع المصرفي وشحّ الدولار، عاملان لا يسمحان بشراء الكميات اللازمة، وهذا يعمق السوق السوداء والاحتكار، وتالياً مزيداً من التضخم وارتفاع الأسعار”. وتابع أنّ غياب حوكمة الأسعار يُتيح، في ظلّ ندرة البضائع، الربح الاحتكاري”.

لفت الخوري إلى أنّ “التضخم الجامح (المفرط) يعني زيادة الأسعار بنسبة 1000 في المئة في السنة أو بنسبة 50 في المئة شهرياً بشكل متواصل (على مدى 12 شهراً أقله)، صحيح أنّ لبنان لم يدخل هذه المرحلة بعد، إلّا أنّه من المحتمل جدّاً الوصول إلى هذه المستويات المرتفعة، وذلك بفضل توتر الوضع السياسي، والاتجاه ببطء نحو الفوضى مع ما ينتج عن ذلك من مزيد من ندرة السلع، بالإضافة إلى خطر كورونا ومتحوراته”. وأوضح أنه “إذا جمعنا هذه العناصر الثلاثة مع دولة لا تحصلّ أموالاً بالدولار، وعليها أن تدفع 27 مليار ليرة لتغطي التعميم 158، وهي على مقربة من رفع الدعم، بالإضافة إلى انعكاسات ارتفاع المحروقات على الأسعار الأخرى، عندما ندمج هذه العناصر نرى كيف أننا متجهون نحو التضخم المفرط”.

تطرح اتجاهات الأسعار تساؤلات عدّة بشأن قدة البطاقة التمويلية المنتظرة على إشباع الحاجات. لكن الخوري اعتبر أنّها “ورقة سياسية بخاصة بعد تحويلها من تموينية إلى تمويلية”. وأكّد أنّ “البطاقة التموينية خالية من التضخم، بخاصة إذا تضمنت بضائع محلية الصنع، فتكون السلطة قد شجّعت الصناعة المحلية وأتاحت لها الحصول على مدخول إضافي، بالإضافة إلى تأمين حاجة الناس، تكون الدّولة بذلك قد ضربت المافيا التي تستفيد من الدعم”.

بالإضافة لذلك أوضح الخوري أنّ “العقبة الوحيدة التي يجب أن تقف في وجه تحرير سعر الصرف هي سياسات الدعم الاجتماعية، أي مساعدة الفقراء. لأن علاقات سوق العمل تتغير مع تغيير سعر الصرف، والإبقاء على عدم تحرير سعر الصرف هو حماية للمافيا، لأنّ كل أنواع الدعم وضمنها دعم العملة هو للحفاظ على المافيا، ومن جهة مقابلة المواطن غير مستفيد، لأنّ التعاميم والقرارات التي حددت الدولار بـ1500 ليرة لبنانية وبـ3900 ليرة لم تكن لمصلحة المواطن، لأنه لا يحصل سوى على راتبه بـ1500 ليرة، فالسلع المدعومة غير موجودة، وتمرّ بقنوات الفساد”.

وأكّد الخوري على “إمكان تحرير سعر الصرف، وإن تَعذّر ذلك فالدولرة الشاملة أو صندوق الإصدار”.


وكان مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية قد أكّد أنّ “تضخُّم أسعار المواد الغذائية الأساسية في لبنان يستمرّ ليبلغ مستوياتٍ غير مسبوقة، إذ سجَّلت أسعار السلع الأساسية التي تحتاج إليها الأسر ارتفاعًا ملحوظًا في الأسبوع الأخير من شهر حزيران 2021، بناءً على جداول أسعار وزارة الاقتصاد والتجارة”. وأضاف: “72 في المئة من الأسر في لبنان التي لا تتعدَّى مداخيلها 2,400,000 ليرة (مليونين وأربعمئة ألف ليرة) شهريًا ستجد صعوبة في تأمين قُوتِها بالحدِّ الأدنى المطلوب”

زر الذهاب إلى الأعلى