اخبار لبنان - Lebanon News

في الجنوب: سياسة تستهدف الأرض والذاكرة معاً!

تحوّلت عمليات التفجير والهدم التي تشهدها المناطق الحدودية من أعمال عسكرية مرتبطة بظروف الصراع، إلى سياسة ذات أبعاد تتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة، لتطال البنية المادية والرمزية للمكان في آن واحد. فحين تُستخدم كميات هائلة من المتفجرات في مناطق مأهولة أو محيطة بمواقع تاريخية وطبيعية، يصبح المشهد أقرب إلى إعادة تشكيل قسرية للجغرافيا، بما يحمله ذلك من انعكاسات طويلة الأمد على السكان والبيئة والهوية الثقافية. وفي هذا السياق، تتقاطع عمليات نسف المنشآت وتجريف الأراضي مع استهداف عناصر التراث الطبيعي، وفي مقدمتها الأشجار المعمّرة، لتشكّل جميعها حلقات في مسار واحد يقوم على تفريغ المكان من ملامحه التاريخية والإنسانية.

ولا تكمن خطورة التفجير المنهجي في حجم الدمار الآني فحسب، وإنما في ما يخلّفه من آثار تراكمية تطال دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية. فالطرق المدمّرة، وشبكات الخدمات المتضررة، والقرى التي تتحول إلى مساحات من الركام، تفرض واقعاً جديداً يحدّ من إمكانات عودة السكان واستئناف النشاط الزراعي والإنتاجي، ويخلق بيئة طاردة للاستقرار. كما أن استهداف محيط المواقع الأثرية والمعالم التاريخية لا يمثّل خسارة عمرانية فقط، بل يمسّ ذاكرة جماعية تشكّلت عبر قرون، إذ ترتبط هذه المواقع بسرديات المجتمع وتاريخه المحلي، وتشكّل جزءاً من هويته الثقافية التي لا يمكن تعويضها بإعادة البناء المادي وحدها.

ويكتسب هذا المشهد بعداً أكثر تعقيداً عندما يترافق مع اقتلاع وسرقة الأشجار المعمّرة، ولا سيما أشجار الزيتون والسنديان وغيرها من الأشجار التي تجاوز عمرها مئات السنين وربما آلاف السنين. فهذه الأشجار تمثل سجلاً حياً لاستمرارية الإنسان في أرضه، وعنواناً لعلاقة تاريخية بين المجتمع والبيئة. ومن هنا فإن استهدافها يحمل دلالات تتجاوز المنفعة الاقتصادية، إذ يسهم في قطع الصلة بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، ويقوّض أحد أبرز الرموز التي تعكس الاستقرار والتجذر في الأرض.

كما أن اقتلاع الأشجار المعمّرة أو نقلها من أماكنها يترك آثاراً بيئية يصعب احتواؤها خلال فترات قصيرة، لأن هذه الأشجار تؤدي دوراً محورياً في حماية التربة من الانجراف، والمحافظة على التنوع الحيوي، وتنظيم التوازن البيئي المحلي. وعندما تُزال بصورة واسعة، فإن الضرر يمتد إلى النظام البيئي بأكمله، فتتراجع خصوبة الأراضي الزراعية، وتزداد قابلية المناطق للتصحر، وتتأثر الكائنات الحية المرتبطة بهذه البيئة الطبيعية. وبذلك يتحول الاعتداء على الأشجار إلى اعتداء على منظومة بيئية متكاملة، وليس على أفراد نباتية منفصلة.

ويكشف التزامن بين عمليات التفجير والهدم وسرقة الأشجار عن نمط متكامل يستهدف عناصر الحياة المختلفة، إذ لا يقتصر التأثير على البنية التحتية أو البيئة أو التراث كلٌّ على حدة، بل يمتد ليضرب الروابط التي تجمع هذه العناصر ضمن فضاء واحد. فالقرية التي تفقد منازلها، وحقولها، وأشجارها التاريخية، ومعالمها الثقافية، تصبح أمام تحدٍّ يتجاوز إعادة الإعمار، لأنها تواجه أيضاً إعادة بناء ذاكرتها الجمعية وإحياء علاقتها بالمكان.

وتبرز في هذا الإطار أهمية المواقف الدولية التي عبّرت عن القلق من اتساع نطاق عمليات التدمير وآثارها على المدنيين والبنية التحتية والتراث الثقافي، باعتبار أن استمرار هذه الممارسات يهدد فرص تثبيت الاستقرار ويزيد من تعقيد أي مسار سياسي أو دبلوماسي يهدف إلى خفض التصعيد. فكلما توسعت رقعة الدمار، ازدادت كلفة التعافي، ليس على المستوى العمراني فحسب، وإنما على مستوى الثقة والاستقرار الاجتماعي وإمكانات التنمية المستقبلية.

انطلاقا مما تقدم، فإن قراءة المشهد بمعزل عن ترابط عناصره تؤدي إلى فهم ناقص لطبيعة ما يجري. فالتفجير، والهدم، وتجريف الأراضي، وسرقة الأشجار المعمّرة، ليست وقائع منفصلة، وإنما ممارسات تتقاطع في تأثيرها على الإنسان والمكان والذاكرة والبيئة. وهي تعكس نمطاً من التدمير يمتد أثره إلى ما بعد انتهاء العمليات العسكرية، لأن إعادة تشييد المباني قد تكون ممكنة، أما استعادة الأشجار التي احتاجت قروناً لتنمو، أو إعادة إنتاج الذاكرة التاريخية التي ارتبطت بالمكان، فهي عملية أكثر تعقيداً، وقد تبقى آثار الفقدان فيها حاضرة لأجيال متعاقبة.

داوود الرمال- أخبار اليوم

زر الذهاب إلى الأعلى