بين تل أبيب وطهران… لبنان “طنجرة ضغط”

بدماء نحو 120 سقطوا ونحو 200 آخَرين جُرحوا الجمعة والسبت، رسمت كل من إسرائيل وإيران واقع الساحة اللبنانية كمسرح ضغطٍ متبادَل على تخوم مساريْن تفاوُضييْن متزامنيْن ولكن منفصليْن، الأول في جنيف، وهو امتداد لطاولة إسلام اباد، بين واشنطن وطهران، والثاني في العاصمة الأميركية بين بيروت وتل أبيب.
ومن خَلْفِ المَشهد الدموي المروّع الذي أغرق جنوب لبنان بالمجازر الاسرائيلية، تاركاً وَقْفَ القتال الذي نصّتْ عليه الفقرةُ الأولى من مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية ثم الهدنة التي أُعلن سريانُها عند الرابعة من بعد ظهر الجمعة مجرّد «حبرٍ على ورق» يُخشى أن يكون كُتب به أيضاً وَقْفُ النار الجديد الذي بدأ عصر السبت، لاحتْ الإشكالية المزدوجة التي جعلتْ مساريْ سويسرا وواشنطن التفاوضييْن يتقاطعان عند نقطة ضعف رئيسية عنوانها أن كليهما يدور بين طرفيْن لا يتقاتلان حالياً (أميركا وايران) أو تَقاتلا يوماً (لبنان الدولة واسرائيل)، فيما الجهتان المعنيتان بالحرب راهِناً على الجبهتين، أي اسرائيل و«حزب الله» ومن ورائه إيران، غير موجودتيْن على الطاولة أو ملزَمتيْن ما اتُّفِق عليه، سواء في «مذكّرة التفاهم» أو قبْلها في «إعلان واشنطن» حول لبنان.
هذه الإشكالية تُفسِّر كيف تحوّل لبنان إلى «طنجرة ضغط» تُقَوّي النارَ تحتها كل من تل ابيب وطهران، وفق «الحرارة» التي تُناسب معركتها وطبيعتها.
هكذا بدا في الساعات الماضية أن ثمةَ تَعايُشاً وتسابقاً بين ضغطين: الأول على الحزب وسلاحه عبر مسار واشنطن التفاوضي، والثاني على اسرائيل عبر مسار سويسرا، أقلّه وفق ما تعتقد طهران التي استشعرتْ بأنّ «مذكرة التفاهم» في سياقاتها الكبرى تتيح لها محاولة «قلْب اللعبة».
هذا التسابق يُخشى أن يبقى حاكِماً لجبهة لبنان التي باتت مسرح «تعديل الموازين» مع إيران بالنسبة إلى اسرائيل وتَرسيم الخطوط الحمر، وساحة معاودة تنظيم «خطوط الدفاع» بالنسبة إلى طهران، وسط انطباعٍ بأن واشنطن تحاول إدارةَ مرحلة مفاوضات الستين يوماً على قاعدة تقوية مسار سويسرا وإعطائه فرصة نجاح من دون إضعاف مسار واشنطن الذي يضرب موعداً مع جولة مفاوضات لبنانية – اسرائيلية جديدة بين 23 و25 حزيران باتت تكتسب أهمية استثنائية في ضوء تحوُّلها الوعاء القابل لأن تُسْقِطَ فيه تل ابيب أي تَراجُعاتٍ اضطرارية في ضوء ضغوط ترامب على بنيامين نتنياهو (تحت عنوان عدم تخريب ملف ايران)، على أن يصبّ ذلك لمصلحة الدولة اللبنانية وسيادتها على أراضيها وتعزيز مرتكزات سحب السلاح.
وإذ أفادت هيئة البث الاسرائيلية، بأن «مفاوضات لبنان وإسرائيل المقبلة ستحدد مناطق تجريبية جنوب لبنان سيتسلّمها الجيش اللبناني»، وهو ما يشكل إشارة جديدة إلى «الانسحاب التدريجي» المربوط بقدرة المؤسسة العسكرية في «بلاد الأرز» على بسط سيطرتها على أراضيها وتفكيك البنى العسكرية للحزب في كل بقعة تنسحب منها اسرائيل ومنْع عودته إليها، توقفت أوساط سياسية عند ما بدا «توزيع» الولايات المتحدة ملف لبنان على مساريْ سويسرا وواشنطن، بحيث أن وقف النار رُبط بالأول فيما بقي العنوان الرئيسي أي سلاح الحزب شرْطاً ملازماً للثاني، بمعنى أنه خارج اي مقايضاتٍ مع طهران – أقلّه حتى الساعة – من النوع الذي يؤطّر قضيةَ السلاح بانسحاب الجيش الاسرائيلي والحزب من جنوب الليطاني فقط، أي تطبيق الشقّ الـ «ميكرو» من القرار 1701 وترك السلاح شمال الليطاني لدينامية داخلية في بيروت.
وقد عبّر عن ذلك بوضوح ما أبلغه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في الاتصال الذي أجراه الجمعة بالرئيس جوزاف عون الذي يستعدّ للتوجه الى الولايات المتحدة خلال اسبوع او اثنين، في خطوة ستكرّس «استقلاليةَ» مسار واشنطن عن ملف إيران والفصل بينهما.
فوفق بيان الخارجية الأميركية، أشاد روبيو «بشجاعة الرئيس عون في السعي إلى اغتنام فرصة تاريخية لتعزيز سيادة لبنان وتعافيه»، مجدداً «تأكيد الدعم الكامل للولايات المتحدة لجهود الحكومة اللبنانية الرامية إلى بناء دولة لبنانية ذات سيادة كاملة تعيش بسلام مع جميع جيرانها»، ومشدداً على «ضرورة نزع سلاح حزب الله وإعادة بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية».
الراي الكويتية

