اخبار لبنان - Lebanon News

هذا هو هدف المفاوضات

لليوم الثاني من المفاوضات المباشرة برعاية أميركية، اجتمع الوفدان اللبناني والإسرائيلي داخل وزارة الخارجية الأميركية، في لقاء دبلوماسي تُصوّره إدارة الرئيس دونالد ترامب صراحةً على أنه “محاولة لتهميش حزب الله وإعادة ترسيخ سلطة الدولة في لبنان”.

ففي شهادته أمام الكونغرس أمس، أوضح وزير الخارجية ماركو روبيو هذا الهدف بشكل قاطع، قائلا: “ممثلو الحكومة اللبنانية الشرعية والحكومة الإسرائيلية يجلسون معًا في وزارة الخارجية… ويعملون على عملية أمنية للبنان تكون مستقلة عن حزب الله”.

ورغم عدم الإعلان عن أي اختراق نهائي في المفاوضات، إلا أن قناة التواصل لا تزال ناشطة، والمحادثات “مثمرة” و”إيجابية”، وأنه تم البحث في تحديد مواعيد لعقد اجتماعات سياسية متابعة، متزامنة مع التحضير لمتابعة المسار الأمني المنفصل.

واعتبرت مصادر أميركية أن هذه المحادثات واحدة من أكثر القنوات الدبلوماسية المباشرة جدية بين إسرائيل ولبنان، وإن كانت لا تزال تُؤطَّر في سياق مناقشات حول وقف إطلاق النار والمسائل الأمنية، بدلًا من اعتبارها عملية سلام شاملة. وأضافت أن “هيكلية المفاوضات تكشف الكثير عن حدودها وإمكاناتها”، لافتةً إلى أهمية تلازم المسارين السياسي والأمني.

غير أن دبلوماسيًا أميركيًا أشار إلى أن هذا النوع من التسلسل في الخطوات يعكس أن الطرفين ليسا مستعدَّين بعد لمعالجة أصعب القضايا السياسية دفعة واحدة. وبدلا من ذلك، يسعيان أولا إلى بناء الثقة من خلال اتخاذ خطوات محدودة، ولا سيما في ما يتعلق بالحفاظ على وقف إطلاق النار لضمان الاستقرار، ومعالجة مسألة دور “حزب الله”.

وتظل القضية الكبرى التي لم تُحسم بعد هي ما إذا كان بإمكان هذه المحادثات الانتقال من مرحلة “تهدئة موقتة” إلى مرحلة استقرار أكثر ديمومة. فقد أشارت المصادر إلى أن الراعي الأميركي يحاول تقريب وجهات النظر بين مطلب لبنان وضع إطار واضح لوقف إطلاق النار، وبين مطلب إسرائيل الذي يتركز على المطالبة بضمانات أمنية ونزع سلاح “حزب الله”، مشددة على صعوبة التوفيق بين هذه المواقف المتباينة. ومع ذلك، تضيف هذه المصادر أن استمرار حضور كلا الطرفين إلى واشنطن يُعد مؤشرًا على أن أيًا منهما لا يرغب في أن يُحمَّل مسؤولية إفشال هذه الجهود.

هذا واعتبر مصدر دبلوماسي أميركي أن تصريحات روبيو تُعدّ الأوضح حتى الآن عن استراتيجية أميركية تسعى إلى دمج الدبلوماسية والدعم العسكري والضغط الإقليمي في هدف واحد هو: التفكيك التدريجي للدور العسكري المستقل لـ “حزب الله”. وقال روبيو للنواب الأميركيين: “حزب الله ليس عدوًا لإسرائيل فحسب، بل هو عدو للبنان”، مكررًا هذه العبارة بأشكال مختلفة طوال الجلسة، ليؤكد تحولا جوهريًا في الخطاب، يُصوّر “حزب الله” ليس فقط كتهديد إقليمي، بل كعبء داخلي على الدولة اللبنانية.

وتقول مصادر أميركية إن التوقيت بالغ الأهمية، إذ تأتي المحادثات التي ترعاها الولايات المتحدة في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، وهشاشة وقف إطلاق النار الذي يُختبر مرارًا وتكرارًا بصواريخ “حزب الله”، وتجدد حالة عدم اليقين بشأن الدبلوماسية الأميركية – الإيرانية. وأشار روبيو مباشرة إلى سلوك “حزب الله” كدليل على دوره المزعزع للاستقرار، مستعرضًا كيف انتهك الحزب اتفاق خفض التصعيد في غضون ساعات.

وبعيدًا من التطورات التكتيكية، حددت شهادة روبيو غاية سياسية أكثر طموحًا: لبنان تحتكر فيه الدولة، لا “حزب الله”، القوة. وقال: “يجب أن يكون للبلاد قوة مسلحة واحدة فقط. لا ينبغي أن يكون لها حزب سياسي مسلح. ما نرغب في رؤيته هو جيش لبناني يتمتع بالقوة والقدرة على نزع سلاح حزب الله واستعادة كامل البلاد”.

وحرص روبيو على التأكيد أن هذه المقاربة تعكس أيضًا تطلعات اللبنانيين. وقال: “هناك حكومة في لبنان. هذا ما نتعامل معه”، مضيفًا أن “اللبنانيين يريدون ذلك أيضًا”، في إشارة إلى الجهود المبذولة لتعزيز مؤسسات الدولة.

ويبدو أن الكونغرس يدعم هذا النهج بشكل عام، وإن لم يخلُ الأمر من ضغوط لتحقيق نتائج ملموسة. خلال جلسة الاستماع، ضغط أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب على روبيو بشأن جدوى المحادثات واستراتيجية الإدارة الأميركية الأوسع نطاقًا تجاه لبنان. ووفقًا لمصادر في الكونغرس، يتابع المشرّعون، ولا سيما المنخرطون في تكتل العلاقات الأميركية – اللبنانية، المسار الدبلوماسي المنعقد في واشنطن. وتصف هذه المصادر شعورًا حذرًا، ولكنه حقيقي، بوجود فرصة، مشيرة إلى تغيرات في الديناميكيات الإقليمية، بما في ذلك الضربات الأخيرة التي لحقت بمكانة إيران الإقليمية، وما وصفته بالضعف النسبي لـ”حزب الله”، كعوامل قد تمكّن بيروت من استعادة سيادتها للمرة الأولى منذ سنوات.

ويبقى من غير المؤكد ما إذا كانت المحادثات الجارية حاليًا ستتمخض عن إطار عمل دائم ومستقر، رغم محاولة واشنطن المواءمة بين المسار الدبلوماسي، والضغوط الإقليمية، وجهود بناء الدولة، استنادًا إلى فرضية محورية واحدة، وهي أن استقرار لبنان مرهون باستعادة الدولة احتكارها الشرعي لاستخدام القوة.

من ناحية أخرى، خلال محادثات المسار الأمني في البنتاغون، تمحور النقاش حول المنطقة التجريبية، وترافقها مع اتفاق جديد لوقف إطلاق النار.

ووفقًا لمصادر في البنتاغون، شدد الجانب اللبناني بشكل خاص على “مجرد وقف لإطلاق النار مهما كانت مدته”. وأكّد المصدر لـ”نداء الوطن”: “هذا كل ما يريدونه على أعلى المستويات”، وذلك سعيًا إلى إطلاق عملية نزع سلاح منطقة تجريبية.

ومع استمرار النقاش، ظل السؤال مطروحًا: هل ستقبل إسرائيل بوقف إطلاق نار، ولو لمدة قصيرة، لاختبار فكرة المنطقة التجريبية؟

في هذا السياق، أكد مصدر دبلوماسي أميركي أن “لبنان على أتمّ الاستعداد لإصدار أوامر للجيش بإنشاء منطقة تجريبية. لكنّ الممثلين الإسرائيليين ظلّوا غير مقتنعين بما قدمه لبنان من ضمانات”.

وأشارت مصادر البنتاغون إلى أنّ الأميركيين سألوا عن مكان المنطقة التجريبية، فرد اللبنانيون: “بنت جبيل!”، غير أنّ الجانب الإسرائيلي لم يُبدِ أي موافقة. وأضافت مصادر البنتاغون: “لم يتفق أحد على أي شيء. لقد طُرحت بنت جبيل كفكرة، لكن الأمر لم يُحسم بعد، رغم أن لبنان منفتح على أي منطقة أو قطاع”.

أمل شموني- نداء الوطن

زر الذهاب إلى الأعلى