معمول عيد الفصح في الحرب: “بركة” البيت اللبناني وعبئه

في كل ربيع، ومع اقتراب عيد الفصح، تعود رائحة المعمول لتملأ البيوت اللبنانية، حاملةً معها ما هو أبعد من الطعم. إنّها رائحة الذاكرة، وامتداد طقسٍ متوارث يختصر معنى العيد في تفاصيله الصغيرة. في المشهد، يدٌ تعجن، أخرى تنقش وأحاديث عائلية تحمل الطمأنينة والثبات.
في الواقع، يظلّ المعمول، هذه الحلوى المرتبطة عضوياً بالأعياد، حاضراً رغم كل شيء. يُحضَّر من السميد أو الطحين، ويُحشى بالتمر أو الجوز أو الفستق، ثم يُطبع بقوالب تحمل نقوشاً ذات دلالاتٍ دينية. ومع كل عام، يتجدّد حضوره بوصفه أحد أبرز ملامح عيد الفصح في لبنان.
ولكن، في ظلّ الحرب اليوم هل تميل النساء الى شرائه أو صنعه في المنزل؟
تكلفة معمول العيد في الحرب بين الجاهز والمنزلي
في السنوات الأخيرة، لم تعد التحضيرات تقتصر على الطقوس، إذ دخل عامل التكلفة بقوةٍ إلى المعادلة، خصوصاً في ظل الأزمات المتلاحقة في لبنان من حروبٍ وأزمات إقتصادية.
في أسواق اليوم، يبلغ معدّل سعر كيلوغرام المعمول المشكّل نحو 23 دولاراً أميركياً، فيما تسجّل الحشوات أرقاماً متفاوتة. فالتمر بمعدّل 18.5 دولاراً للكيلغ، الجوز نحو 23 دولاراً، والفستق الحلبي يصل إلى 29 دولاراً. هذه الأرقام تعكس واقعاً اقتصادياً ضاغطاً، إذ تحوّلت هذه الحلوى التقليدية إلى تفصيلٍ يحتاج إلى حسابٍ مسبق ضمن ميزانية العيد.
في المقابل، وعند احتساب تكلفة تحضير المعمول في المنزل، تصل تكلفة المواد الأولية إلى نحو 33 دولاراً، من دون احتساب تكلفة اليد العاملة أو الغاز. رقمٌ يضيء على الفارق بين الخيارين، ويكشف أنّ التحضير المنزلي، رغم رمزيته وارتباطه بالعادات، لم يعد بالضرورة الخيار الأقل تكلفة كما كان في السابق.
هذا التباين بين الجاهز والمنزلي يعيد طرح الأسئلة التالية: هل ما زال المعمول طقساً عائلياً، أم أصبح عبئاً اقتصادياً؟ وهل تغيّر معنى العيد مع تغيّر القدرة على تحمّل تكلفته؟
معمول العيد حاضر رغم تكلفته
في البيوت، حيث يُختبر معنى العيد بعيداً من الأرقام، تتفاوت الخيارات، وتتشابه الدوافع. لكلّ امرأةٍ حكايتها مع المعمول، بين ما تحفظه من الذاكرة وما تفرضه الوقائع.
تقول السيدة ليلى إنّها لن تتخلّى عن صنع المعمول في المنزل، لأنّ فيه “بركة” العيد كما تصفها، لكنها تعترف بأنّ الكمية هذا العام ستكون أقل، في محاولةٍ للتخفيف من التكلفة من دون التخلّي عن الطقس نفسه.
أمّا “تيتا” تيريز، فتنظر إلى المشهد من زاويةٍ أخرى. تستعيد سنواتٍ كانت فيها تصنع أكثر من عشرة كيلوغرامات من المعمول مع بناتها، وتأسف لأنّ الجيل الجديد يميل إلى شراء كل شيء، حتى المأكولات التي كانت تُحضَّر في البيت. بالنسبة لها، كانت الحياة “فيها بركة”، كما تقول، في إشارةٍ إلى زمنٍ كان فيه الجهد جزءاً من معنى الوفرة.
في المقابل، تختار السيدة نوال هذا العام شراء المعمول. أولادها في المهجر، والبيت لم يعد كما كان. تقول ببساطة: “لمين بدي اعمل معمول؟”، مكتفيةً بكيلوغرامين فقط للضيافة، في رمزيةٍ تعكس تبدّل شكل العائلة قبل تبدّل العادات.
بين هذه وتلك، تصرّ السيدة ماري على أن تحافظ على ما تعتبرها من ثوابت العيد. ستصنع المعمول في المنزل رغم ارتفاع تكلفته، لأنّه “لا يمكن أن يمرّ العيد من دون معمول”، كما تقول. تضيف أنّها ستتقاسم التكلفة مع بناتها، في محاولةٍ للجمع بين الضرورة الاقتصادية واستمرار الطقس.
بين التقليل والاستبدال والإصرار، تبدو الخيارات اليوم كأنّها مفاوضة يومية بين الذاكرة والواقع. فالأكيد أنّ المعمول لن يغيب مع أنّه سيتغيّر تماماً كما يتغيّر العيد في تفاصيله الصغيرة.
عبير عقيقي – النهار

