تايوان بين التهديد الصيني والاستراتيجيّة الاميركيّة

كتبت جوزفين موسى
لم تعد قضيّة تايوان مجرّد نزاع إقليميّ، بل أصبحت عنواناً بارزاً للصراع على النفوذ العالميّ بين الصين والولايات المتّحدة، حيث تتقاطع عندها المصالح في ظلّ مشهد عالميّ مضطرب يتأثّر أيضاً بتوجّهات روسيا التي تلعب دوراً داعماً لإعادة تشكيل النظام الدوليّ القائم، مع تواصل الولايات المتّحدة اتّباع استراتيجيّة معقّدة، تقوم على دعم تايبيه دون الوصول إلى مواجهة عسكريّة مباشرة مع الصين. فبات هذا الصراع جزءاً من إعادة رسم موازين القوى العالميّة.
تنطلق الصين في موقفها من تايوان من اعتبارات تاريخيّة وسياديّة، وقد انتقلت من الخطاب السياسيّ إلى الضغط العمليّ عبر تكثيف طلعاتها الجويّة، وإجراء المناورات البحريّة، وفرض العقوبات الاقتصاديّة، في رسالة تهدف إلى فرض واقع ردعيّ، وإرسال إشارات واضحة إلى الأطراف الدوليّة المنخرطة في الملفّ.
في المقابل، تتعامل الولايات المتّحدة مع تايوان كحجر زاوية في استراتيجيّتها لاحتواء النفوذ الصينيّ في منطقة المحيط الهادىء ومنطقة المحيط الهنديّ؛ وترى أنّها عنصراً أساسيّاً في معادلة الاستقرار في شرق آسيا. تقوم استراتيجيّة الولايات المتّحدة في تايوان على دعم قدراتها الدفاعيّة، وتعزيز حضورها الاقليميّ في حدّ أقصى من السيطرة، منعاً لمواجهة مفتوحة، إذ إنّ التنافس الأميركيّ-الصينيّ لم يعد يقتصر على الجانب العسكريّ، بل يمتدّ إلى الإقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد العالميّة، حيث تمثّل تايوان لاعباً محوريّاً في صناعة أشباه المواصلات.
وسط هذا التنافس، تبرز روسيا كعامل دوليّ غير مباشر لكنّه مؤثّر، داعم للصين سياسيّاً واستراتيجيّاً، ساعيةً للتقرّب من بكين كفرصة لإعادة التوازن في مواجهة النفوذ الاميركيّ. الجدير ذكره أنّ روسيا ليست طرفاً مباشراً في ملفّ تايوان، الا أنّ التقارب الروسيّ-الصينيّ يعكس رغبة مشتركة في تحدّي النظام الدوليّ بقيادة واشنطن، ولو اختلفت ساحات المواجهة وأدواتها.
في ظلّ هذه المعادلة المعقّدة، تجد تايوان – تلك الجزيرة الصغيرة جغرافيّاً – نفسها محاصرة بين تهديد صينيّ متزايد، ودعم أميركيّ قائم على حسابات دقيقة. فتبدو عالقةً في قلب صراع دوليّ أكبر من قدراتها، حيث يتشابك الردع العسكريّ مع الحسابات الاقتصاديّة والتكنولوجيّة، فيبقى مصير هذه الجزيرة مرتبطاً بقدرة القوى الكبرى على إدارة الخلافات دون الوصول إلى المواجهات التي قد تتجاوز تداعيّاته حدود المنطقة.
جوزفين موسى

