الكلمة إلكن

غياب رجال الدولة: قراءة في الجلسات البرلمانية الأخيرة

شهد لبنان خلال الأيام الثلاثة الماضية مشهداً برلمانياً غير مسبوق، ليس فقط من حيث الجدل السياسي، بل من حيث ما كشفه عن هشاشة الدولة اللبنانية وفراغ القيادة فيها. جلسات مجلس النواب التي تابعتها الأوساط اللبنانية عبر شاشات التلفزة لم تكن مجرد صراع سياسي داخلي، بل انعكاس صادق لغياب رجالات الدولة، الذين يُفترض أن يوازنوا بين المخاطر الداخلية والخارجية في لحظة حرجة يترقب فيها العالم مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

وكلام الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، جاء في هذه اللحظة الدقيقة ليكون بمثابة مؤشر على حجم المخاطر الإقليمية وتأثيرها المباشر على لبنان. لقد صيغ الخطاب بطريقة حادة، استهدفت التأكيد على الموقف الإقليمي للحزب، ووضعت لبنان في قلب دائرة الانقسام السياسي الداخلي. الخطاب لم يكن مجرد كلام سياسي، بل إشارة واضحة إلى احتمالات تصعيد إقليمي، سواء عبر ضربة محدودة أو مواجهة موسّعة بين القوى الإقليمية الكبرى الولايات المتحدة وايران، وما يمكن أن يترتب على ذلك من انعكاسات مباشرة على لبنان، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو السياسي.

ردود فعل النواب خلال الجلسات الثلاثة لم تكن أقل أهمية، لكنها كشفت عن أزمة داخلية موازية. فقد طغت الشعبوية والاتهامات المتبادلة، بينما غابت التحليلات الهادئة والعميقة، والمواقف التي تعكس القدرة على التقدير الاستراتيجي للأزمات. بدت بعض المداخلات، ان لم نقل اغلبها، محاولة لتسجيل نقاط سياسية لحساب الرأي العام، بدل تقديم مقترحات ملموسة تحمي لبنان من الانزلاق في أتون الصراع الإقليمي، وتضع مصالح الدولة فوق كل اعتبار.

الدرس الأهم الذي برز من هذه الجلسات هو أن لبنان في حاجة ماسّة إلى رجالات دولة حقيقيين. هؤلاء الذين يفهمون أن الإدارة السياسية لا تُبنى على الصوت العالي أو الشعبوية، بل على القدرة على قراءة الأحداث وتحليل المخاطر، واتخاذ قرارات صعبة وغير شعبية أحيانًا، تحمي الدولة قبل أي اعتبار آخر. فراغ لبنان من رجالات دولة في هذه اللحظة الحرجة يجعل أي تصعيد إقليمي محتمل أكثر خطورة، ويضع لبنان في موقف هشّ أمام أي تداعيات خارجية قد تهزّ استقراره الداخلي.

الأزمة اللبنانية اليوم هي أزمة قيادة استراتيجية بامتياز. فغياب رجالات الدولة الذين يملكون القدرة على التفكير بعيد المدى، ووضع مصالح الدولة فوق أي اعتبار سياسي أو شعبي، يجعل المجلس النيابي يبدو عاجزًا عن أداء دوره الأساسي: حماية الدولة وإعادة بناء مؤسساتها بطريقة متزنة وفعّالة. في وقت تتزايد فيه احتمالات مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، يصبح أي غياب للرؤية السياسية الواعية تهديدًا وجوديًا للبنان، ويحول الجدل النيابي إلى مجرد صخب بلا وزن، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى العقل البارد والتقدير الاستراتيجي.

في المحصلة، ما كشفت عنه جلسات مجلس النواب الأخيرة ليس مجرد انقسامات داخلية أو جدلاً برلمانياً تقليديًا، بل صورة حية لهشاشة الدولة اللبنانية، ولحاجة لبنان الماسّة إلى رجال دولة قادرين على إدارة المخاطر الداخلية والخارجية بوعي ومسؤولية، يفكرون قبل أن يتحدثوا، ويتحركون قبل أن يغلبهم الانفعال، ويضعون المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار، خصوصًا في زمن تتعاظم فيه التهديدات الإقليمية ويترقّب العالم تصعيدًا محتملًا بين الولايات المتحدة وإيران.

بقلم مروى غاوي

زر الذهاب إلى الأعلى